الصفحة 868 من 946

والقول الصحيح أن الاشتراط لا يسوغ لكل أحد ، بل لا يشرع إلا في حق من خاف مانعا من مرض أو صد عن البت بعدو ، ونحوهما من الأعذار ، وأما من لم يخف مانعا فلا يشرع حقه الاشتراط ، واختاره ابن تيمية رحمه الله تعالى ، فإن الناس قد حجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالآلاف ، ولم يأمر أحدا أن يشترط ، ولم يسوغه لأحد إلا لضباعة ، فلو كان من الشرع العام لبينه النبي صلى الله عليه وسلم ، بل هو لم يأمر به ضباعة ابتداء إلا لما شكت له الحال وعلم أنها تحتاجه ، وهذا جار على سنن القياس ، ذلك لأن الشريعة تعامل الضعيف العاجز معاملة التخفيف والتيسير حتى يتمكن من أداء العبادة بيسر وسهولة ، ما لاتعامل به القوي الجلد القادر ، وهذا واضح ، فمن باب التخفيف على أهل الأعذار رخصت الشريعة الاشتراط في الحج لمن خاف مانعا أو كان مريضا وخاف من عجزه عن الإتمام ، وهذا متفق مع القواعد الشرعية من إرادة التخفيف والتيسير وأن الأمر إذا ضاق اتسع ، وأن المشقة تجلب التيسير ، وأن رفع الحرج عن المكلفين من مقاصد هذا الشرع الكريم ، وأين الحج من الصلاة ، فإن الصلاة لا تتجاوز عشر دقائق ، وقد لا تقتضي سفرا ، مع أن الشريعة راعت أحوال أهل الأعذار فيها بما بناسبها ، وأما الحج فإنه طويل ، وذو مناسك متباعدة وزحام شديد ، فأين هذا من هذا ، فالشرع أعطى العاجز والضعيف في كل عبادة ما يتناسب معها، والصوم كذلك أمره سهل ، والشريعة راعت فيه العاجز والمريض والضعيف والمسافر ، فبما أن الصلاة روعي فيها حال المريض والعاجز بما يناسبه في هذه العبادة والصوم روعي فيه حال العاجز والمريض والضعيف بما يناسبه في هذه العبادة ، فالحج كذلك روعي فيه حال العاجز والمريض والضعيف بما يناسبه في هذه العبادة ، وهذا كله يخرج من مشكاة واحدة ، لا اختلاف فيه ولا تناقض ولا تعارض ، بل هو متفق لا يفترق ومؤتلف لا يختلف, فلماذا لما روعي حال المريض في الحج بجواز الاشتراط قيل:-

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت