فهرس الكتاب
رحم الله سلف هذه الأمة حين يقولون ، وحين يقررون ، وحين يوجهون ، وحين يأخذون بمجامع القلوب إلى منابع الحقيقة ، أنطق الله بالحكمة ألسنتهم ، وأصلح الشأن بقولهم ، وجمع القلوب بفعلهم ، فكان أحدهم يأبى إلا أن يكون مفتاح خير مغلاق أبواب الشر ، ومحضر إصلاح وتقارب ، ولقد بالغوا في شروطهم ، وتدقيقهم على الذين يتبوءون مجالس العلم والوعظ والإرشاد ، والذين يقومون بواجب الدعوة إلى الله ، من أمر بالمعروف ، ونهي عن المنكر ، وفي دقة متناهية يشترط أحد سلفنا الكرام على هؤلاء فيقول:"من لم تهذبك رؤيته فاعلم أنه غير مهذب".. وإلى شيء من هذا المعنى أشار بعضهم بقوله: ( من لم ينفعك لحظه ، لم ينفعك وعظه ) ، وأضاف إلى هذا الإمام الشافعي - رحمه الله - قولًا يزيد الأمر وضوحًا ، وذلك في قوله:"من وعظ أخاه بفعله كان هاديًا".
إنه شرط قاس ، إنه شرط كبير وكبير جدًا ..
( من لم تهذبك رؤيته ) متى وأين وكيف ؟!!
رؤيته أين .. رؤيته متى .. رؤيته كيف ..
نعم .. ( من لم تهذبك رؤيته ) ليس في ميادين الأقوال والتنظيرات ، والتأطيرات متشدقًا بالكلام الموزون ، والعبارات البليغة ، والخطب الرنانة .. بل رؤيته في ميادين العمل والتطبيق .. في ميادين الحوار عند تصادم الرؤى ، واختلاف الآراء .. عند الأخذ والعطاء .. عند البيع والشراء .. عند الغضب والرضى .. هل تكون عينه كليلة عن العيوب عند الرضى ؟! ومبصرة متفتحة عند الغضب تتصيد الأخطاء ، وتدفن الحسنات ، وتتجاوزها ؟!
رؤيته في حبه وبغضه .. هل يعميه الحب ، ويغذيه البغض والكراهية ؟!
رؤيته في ميادين الطمع .. هل تستخفه وتنسيه فينافس كما يتنافس أهل الدنيا، ويسابق كما يتسابقون ، ويزاحم بالمناكب كما يزاحمون ؟! أم تراه زاهدًا قانعًا متورعًا ثقيلًا موزونًا..؟!