الصفحة 90 من 106

رؤيته في مواطن الجزع .. هل يولي الأدبار خائفًا ، أو يرفع راية الذل مستسلمًا ؟! أم تراه ثابت الجنان ، قوي الإيمان ، ساطع البرهان .. مقبلًا غير مدبر ؟!!

كثيرون - في أيامنا هذه - هم الذين يعظون ويخطبون ويتكلمون فيعجبك في هذا كله لفظهم ، لكن سرعان ما يتحول إلى هم ونكد شديد حين ترى جزءًا من ممارستهم العملية ، وسلوكهم الواقعي .. لأنك ترى بونًا شاسعًا .. بين اللفظ واللحظ .. ما تسمعه أذنك غير الذي تراه عينك .. أذنك تسمع خبرًا سرعان ما يكذبه لحظ عيونك ..

ماذا أرادوا بالرؤية واللحظ ؟!

إنهم أرادوا شيئًا عظيمًا جليلًا غير الذي تسمعه الآذان ، ولا يمكن للآذان أن تدركه ، ما لم يكن للعيون مشاركة فاعلة ، ومساهمة جادة ، هذا الشيء يتمثل في توفيق الله ورضاه ومحبته ، التي تنعكس على صاحبها هيبة ووقارًا ، وخلقًا جميلًا، وتواضعًا كريمًا، وقناعة كبيرة ، وتسليمًا حميدًا ، وهدوءًا آسرًا ، وطمأنينة ثابتة ، ونورًا خارقًا ، يخترق الحجب ، حتى يستقر في أعماق القلوب ، فيأسرها بجلاله وجماله الرباني ، ونوره الذي اكتسوه حين اختلوا به - سبحانه - في ظلمات الليل ..

والموفق من الدعاة إلى الله هو الذي يراعي اللحظ كما يراعي اللفظ ، يحسب لحظ الناس ، كما يحسب اللفظ ، حين يقف خطيبًا أو واعظًا ، وما أكثر الذين يحرصون على تنميق ألفاظهم ، ولا يتورعون عن الإساءة إلى أنفسهم ، في ميادين أعماله وأفعالهم ‍‍‍‍‍..‍

ولا يؤتي الأمر أكله ، ولا تستقيم طريقته ، ولا تطيب ثمرته ، إلا حين يشد اللحظ من أزر اللفظ ، فمن المبادر ؟‍‍

والأولون إنما بلغوا المنزلة ، وأدركوا الدرجة ، ونالوا الغاية الكبرى ، بهذا السر العظيم .. الذي كشف غطاءه عبد الواحد بن زياد وهو يتحدث عن الإمام الحسن البصري - رحمهما الله -:"ما بلغ الحسن البصري إلى ما بلغ إلا لكونه إذا أمر الناس بشيء يكون أسبقهم إليه ، وإذا نهاهم عن شيء يكون أبعدهم منه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت