وقال ابن القيم -رحمه الله-:"فإن الشارع الحكيم يدفع أعظم الضررين بأيسرهما ..." [10] . وقال:"فيؤثِر الأعلى على الأدنى، ويقدم خير الخيرين بتفويت أدناهما، ويرتكب أخف الشرين خشية حصول أقواهما ..." [11] .
ونقل عن عمر بدون إسناد قائلًا:"وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر ولكنه الذي يعرف خير الخيرين، وشر الشرين ..." [12] .
ومن السهل -كما يقول أهل العلم- على كثير من الناس معرفة الخير والشر؛ لأن الفرق بينهما واضح لكل ذي فطرة سليمة، إلا أن معرفة خير الخيرين لإتباعه، وشر الشرين لاجتنابه هو الفقه الدقيق الذي يحتاجه المسلم خاصة عند كثرة الفتن، واضطراب المفاهيم، وتغير الأحوال؛ ولذا قال عمر -كما سبق-:"ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين، وشر الشرين" [13] لأنه كما قال الشاعر:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا
مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى.
ثانيًا: لا بد أن يعلم المسلم أن باب سد الذرائع باب عظيم في الشريعة، وهو في الأصل يتعامل مع المباحات، ولكن من منظور أنها قد تؤدي إلى مفاسد بالنظر إلى عنصري الزمان والمكان، بمعنى أن الحكم في أمر مباح قد يختلف باختلاف أحدهما أو كليهما، فتسد الأبواب والطرق المفضية إلى الحرام، وليس هذا من باب الظنون والشكوك والهوس كما يقول البعض، وإنما هو شرع رب العالمين.
وهذا الباب مُناط بأهل العلم؛ لأنه أمر اجتهادي يتطلب الرسوخ في العلم، فليس لأحد أن يتناوله بالاجتهاد سواء باستخدامه كمطية للفتوى بدون علم، أم بنقض الفتاوى الصادرة بحجة أن هذا الباب استخدم لتحويل عادات وموروثات اجتماعية إلى مقدسات، أو أنه تضييق بلا مبرر، أو ظنون فارغة؛ ولهذا نجد أن الشارع الحكيم جعل قيودًا لمنع الذريعة، ومنها:
• أن يؤدي الفعل المأذون فيه إلى مفسدة قطعًا.