وحقيقة الصدوق وماهيته، عبَّر عنها الذهبي في قوله: (الصدوق لا يكثر خطؤه) [17] ، وقوله في أحد الرواة: (صدوق، قيل: كان يخطئ، فالصدوق يخطئ) [18] .
وقال ابن حجر: (رواية الصدوق الذي لم يوصف بتمام الضبط والإتقان، هو الحسن لذاته) [19] ، وهو دون الثقة كما هو العُرف، وفوق من لا يحتج بحديثه إلا إذا اعتضد بغيره كما تم إيضاحه في الفصول السابقة من هذا الباب.
وللفظة"صدوق"علاقة وطيدة بابن أبي حاتم، حيث أكثر من إيرادها في كتابه"الجرح والتعديل"عن أبيه وعن غيره من كبار أئمة النقد، ولا أعرف كتابًا في علم الجرح والتعديل قبل ابن أبي حاتم وردت فيه لفظة"الصدوق"بكثرة كما وردت في كتابه.
فقد بلغ عدد مرات ورودها أكثر من 1200 مرة تقريبًا بصِيَغٍ متعددة، وهو أقدم من وضع لها مرتبة في سلم الجرح والتعديل.
وقد أثار حكمه على ما يرويه الصدوق بعض الخلاف بين اثنين من أساتذة الحديث في عصرنا، هما الشيخ العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله -، والأستاذ الدكتور نور الدين عتر.
فذهب الشيخ الألباني - رحمه الله - إلى أن"الصدوق"حسن الحديث ويحكم على حديثه بأنه حسن لذاته واحتج على ذلك بكلام الذهبي في مقدمة ميزانه، وبكلام ابن حجر في مقدمة"التقريب"، وقد نقلنا كلامهما في الفصل السابق، ثم علق على ذلك بقوله: (فأنت ترى أن الذهبي جعل من قيل فيه"صدوق"في مرتبة من قيل فيه:"جيد الحديث، حسن الحديث"، وكلام الحافظ ابن حجر لا يخرج عنه، فإن من كان عنده من المرتبة الثالثة لاشك في أن حديثه صحيح، فمن كان عنده من المرتبة الرابعة، فحديثه حسن بداهة، وذلك ما صرح به المحقق أحمد شاكر في"الباعث الحثيث"(ص118) ، ولولا ضيق المقام لنقلت كلامه، فأكتفي بالإشارة إليه) [20] .