الصفحة 1746 من 1760

فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله وعبأ جيشه وسار نحو البيت يريد هدمه، فأرسل الله عليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف ترميهم بحصى صغيرة، لا يصيب أحدًا إلا أصيب بمرض الجدري.

قال عكرمة: وهو أول جدري ظهر في بلاد العرب وقد فعل الوباء بأجسامهم ما يندر وقوع مثله فكان لحمهم يتناثر ويتساقط حتى ذعر الجيش وقائده وولوا هاربين ولم يزل لحم القائد يتساقط حتى انصدع صدره ومات في صنعاء وقد أشار تعالى إلى تلك القصة بقوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} هم الأحباش الذين أخذهم الغرور بقوتهم فأرادوا هدم الكعبة وعجز العرب عن مقاومتهم: {أَلَمْ يَجْعَلْ} الله: {كَيْدَهُمْ} الكيد: التدبير السيئ في الخفاء وهو هنا هدم الكعبة: {فِي تَضْلِيلٍ} أي مصيره إلى الضلال بمعنى عدم نجاحه: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ} الطير كل ما يطير في الهواء سواء أكان صغيرًا أم كبيرًا، والأبابيل: الفِرق والجماعات يتبع بعضها بعضًا: {تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ} السجيل: الطين المتحجر ولعله نوع من أنواع الطين المسموم اليابس الذي تحمله الرياح فيعلق بأرجل الطيور الصغيرة فإذا اتصل بجسدٍ دخل في مسامه فأثار فيه قروحًا تنتهي بإفساد الجسم، ولعل هذه الطيور من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض إلى جسم الإنسان، ولعل منها أيضًا ما اكتشف أخيرًا من المكروبات وهي عبارة عن حيوانات صغيرة لا ترى إلا بالمكبرات: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} .

{فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} العصف: ورق الزرع والمأكول: الذي يأكله الدود والسوس فيصبح منخورًا تذروه الرياح بمعنى أن المرض أو الوباء لما تسلط عليهم جعلهم هياكل منخورة بالية.

وإن في هذه السورة ما يدل على عظيم قدرة الله الذي جعل من الإنسان المعتد بقوته وقهره للفيل الضخم يعجز ويذل أمام الطائر الصغير الحجم، كما يشير إلى أن من أنواع الوباء ما يفعل في جسم الإنسان ما هو أعظم من فعل النيران في حرقتها وآلامها أجارنا الله من عذابه.

سورة قريش

مكية عدد آياتها أربع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت