بعد أن دعا الله المؤمنين إلى التمسك والثبات على دينهم والصلة بالله واتباع شريعته ونهاهم عن العدول عنها إلى الأحكام الوضعية التي تقوم على أساس الاختلاف في الرأي وترجيح ما تراه الأكثرية لأن ذلك مما يؤدي إلى الفشل وضعف السلطان أخذ يحذرهم من بعض خلال نفسية دفعت المشركين من قريش إلى إتيان بدر بقصد الصد عن سبيل الله فلاقوا هناك حتفهم. فقال: {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرًا ورئاء الناس} أي احذروا من خصلتين ذميمتين الأولى «البطر» وهو الطغيان بنعمة الله وصرفها إلى المفاخرة بين الناس والاستعلاء على الأقران والثانية «رئاء الناس» وهو عبارة عن إظهار القبح بمظهر الجميل أمام الناس والفرق بينه وبين النفاق أن النفاق إظهار الإيمان وإخفاء الكفر والرئاء إظهار الطاعة مع إخفاء المعصية فهاتان الخصلتان هما اللتان حملتا أبا جهل وهو على رأس ألف مقاتل من صناديد قريش بعد أن أمن على وصول العير إلى مكة عن طريق الساحل أن يشخص إلى بدر ويقول: «والله ما نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدرًا فنقيم ثلاثًا ننحر الجذور ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب فلا يزالون يرهبوننا أبدًا فإن بدرًا موسمًا من مواسم العرب وسوقًا من أسواقهم» وقد استعان الرسول صلى الله عليه وسلم بالله عليهم إذ قال: «اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني» ولما أن وردوا بدرًا بهذا الدافع شربوا كؤوس المنايا بدلًا من كؤوس الخمر وناحت عليهم النوائح بدل القيان.
{ويصدون} أي الحال أنهم كانوا يقصدون الصد: {عن سبيل الله} وهو الإسلام بالحيلولة دون انتشار دعوته: {والله بما يعملون محيط} فهو يجزي على صفات النفس كما يجزي على نفس العمل وفق سننه التي أعلنها للناس والتي يريد أن يحذر المؤمنين من عواقبها بهذه الآية: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم} أي واذكر أيها الرسول للمؤمنين أن الشيطان هو الذي زين لهم إقدامهم على الشخوص إلى بدر بوسوسته: {وقال} لهم بما ألقاه في هواجسهم: {لا غالب لكم اليوم من الناس} أجمعين فكيف باتباع محمد الضعفاء الذين فروا من دياركم فأنتم أعز نفرًا وأعظم بأسًا: {وإني جار لكم} أي إنه أوهمهم أنهم على الحق الذي يرضاه الله منهم دون محمد ولذلك فإنه سوف ينصرهم عليه ولذا قالوا: «اللهم انصر إحدى الفئتين وأفضل الدينين» : {فلما تراءت الفئتان} أي أن الشيطان استمر في وسوسته للمشركين بما يغريهم على القتال كما كانت الملائكة