فهرس الكتاب
أما الأدلة النقلية التي اعتمد عليها المانعون فمستفادة من السنة نصًا لا من القرآن، ومن ذلك ما رواه أبو هريرة قال: «جاء رجل فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَعِّرْ فَقَالَ: بَلْ أَدْعُو الله... ثم جاء آخر فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَعِّرْ. فَقَالَ: بَلِ اللَّهُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عِنْدِي مَظْلَمَةٌ» ( [16] ) ،وقوله صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الْمُسَعِّرُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ عز وجل وَلا يَطْلُبُنِي أَحَدٌ بِمَظْلَمَةٍ ظَلَمْتُهَا إِيَّاهُ فِي دَمٍ وَلا مَالٍ» ( [17] ) ، والنبي صلى الله عليه وسلم «لم يسعّر وقد سألوه ذلك ولو جاز لأجابهم إليه» . ( [18] )
وخلاصة أدلة المانعين تعود في محصلتها ليس فقط إلى كون التسعير غير كفيل بتحقيق السعر العدل فحسب، بل هو في الحقيقة سبب مباشر في الإضرار بالبائع والمشتري والمنتج والمستورد، وباقتصاد الدولة عامة، وما دام تحقيق مقصد العدل غاب، فضلًا عما تؤول إليه هذه الوسيلة من أضرار جسيمة بالأمة، فإن حكمها التحريم والمنع مطلقًا.
غير أن المجيزين للتسعير قد تشوفوا إلى تحقيق المصلحة والعدل، ورعاية مصالح العامة إذا تعسف التجار والمحتكرون في استعمال حقوقهم، وعملوا على إنهاك الأمة بالأسعار المرتفعة، أما في الظروف العادية فإن التسعير حكمه المنع استنادًا إلى أدلة المانعين، النظرية والنقلية؛ ولذلك نجد ابن تيمية يقسم التسعير إلى نوعين: أولهما ظلم محرم، والثاني عدل جائز، بل واجب. فيقول: «التسعير منه ما هو ظلم لا يجوز ، ومنه ما هو جائز» ( [19] ) .