فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 120

فيتضح من التقريرات السابقة أن كيفية إجراء الشورى قضية غير محسوسة، بل تركت طرائق تنفيذها لإرادة الجماعة المسلمة على الشكل الذي تراه محققًا لمقاصدها، ومن ثم فإن كيفية إجرائها تقبل الصور والأشكال المختلفة التي تتناسب والتطور الحضاري للأمة في شتى العصور.

وإن المتأمل في السوابق التاريخية لفترة الخلافة الراشدة، التي تعدّ موطن القدوة باتفاق، ليجد أن كل خليفة قد اختُطَّ له مسلك لتوليته، ومن ذلك أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه اجتمع له الصحابة في سقيفة بني ساعدة ليبايعوه، ثم حدثت البيعة العامة (الانتخاب) بعد رضا الأمة في المسجد.

أما عمر رضي الله عنه فقد رشحه أبو بكر للخلافة ثم بايعته الأمة عامة؛ ولما طُعِن عمر رضي الله عنه عَهِد بأمر اختيار الخليفة لستة من كبار الصحابة ليختاروا أحدهم، ثم طرح اختيار عثمان رضي الله عنه على الأمة للبيعة.

أما علي رضي الله عنه فيبين أن طرق التولية اجتهادية فيقول: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهد إلينا عهدًا نأخذ به في إمارة، ولكنه شيء رأينا من قبل أنفسنا، ثم استخلف أبوبكر رحمه الله وأقام واستقام، ثم استخلف عمر رضي الله عنه فأقام واستقام، حتى ضرب الدين بجرَّانِه» ( [48] ) .

وهكذا فإن اختيار أهل الحل والعقد لأبي بكر في سقيفة بني ساعدة يعد ترشيحًا له، أُتْبِع بالانتخاب العام، أي البيعة الكبرى من الأمة في المسجد، أما استخلاف أبي بكر لعمر ثم عهد عمر لستة من الصحابة ليختاروا أرضاهم لديهم ولدى الأمة، كل هذا يعد ترشيحًا فقط، والقرار الأخير للأمة قبولًا ورفضًا.

وفي ترسيخ هذا المعنى يقول أبو حامد الغزالي: «ولو لم يبايعه غير عمر وبقي كافة الخلق مخالفين، أو انقسموا انقسامًا متكافئًا لا يتميز فيه غالب عن مغلوب، لما انعقدت الإمامة، فإن شرط ابتداء الانعقاد قيام الشوكة، وانصراف القلوب إلى المشايعة» ( [49] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت