فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 120

إن الكشف عن مقاصد الأحكام على المستوى التجريدي خطوة ضرورية للفهم مردُّها إلى الاجتهاد فيه، وقد بيَّن الأصوليون مسالك الكشف عن العلة من نقلية وعقلية في مجال القياس، غير أن محاولتي الشاطبي ثم ابن عاشور فيما بذلاه من جهد لتقعيد مسالك الكشف عن مقاصد الشريعة تُعدُّ خطوة متقدمة في هذا السبيل لإنارة درب المجتهد في تبين مقاصد الأحكام المجردة.

غير أنّ «خلو الأدب الأصولي من بيان واف لقواعد تعرِّف بالمصير الواقعي لعلاقة الحكم بمقصده يعتبر أكبر الثغرات في هذا الأدب، وربما عادت كثير من المزالق في الاجتهادات الفقهية، قديمًا وحديثًا، إلى هذه الثغرة في أسباب وقوعها» . ( [42] )

وعليه فإن النظر المتحتم الآن على أهل الاجتهاد أن يبحثوا عن المسالك والطرق الواقعية للكشف عن مدى تحقق المقاصد الشرعية عند تنزيل الحكم، بحثًا تنظيريًا يعصم من الزلل الذي يقع فيه كثير ممن أخطأوا المقصد في تنزيلهم الأحكام فجلبوا المضار والمفاسد على الأمة.

إن منهجية تَبَيُّن تحقق مقاصد الأحكام عند التنزيل تعتمد أساسًا على دراسة الواقع وتحليله وفِقْه ملابساته وحيثياته، وهذا يتطلب استنفار كل الطاقات في التخصصات المختلفة، أي أن هناك عناصر عدة بعضها نفسي وبعضها تربوي وبعضها اجتماعي ينبغي مراعاتها نأيًا عن تنزيل الحكم تنزيلًا آليًا دونما استيعاب لحيثيات وملابسات الواقعة محل تنزيل الحكم، ثم مناظرة مقصد الحكم بعد تحصيل فهمه بعناصر ذلك الواقع المدرك في جزئياته، فإذا ترجح حصول مقصد الشارع أمضي تنزيل الحكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت