فهرس الكتاب
إن الغاية من تنزيل الحكم الشرعي على الوقائع هو تحقيق مقصد الشارع منها؛ إذ على المكلف أن يجري على هذا المنهج في أفعاله وتصرفاته، وأن لا يقصد مخالفة قصد الشارع، لكونه خُلِق لعبادة الله تعالى وخلافته، فلا يقصد مخالفة قصد معبوده، ومهمة الاستخلاف إجراء أحكام الشارع ومقاصده مجاريها، فإذا ما تبين قصدُ المكلف تعطيلَ تحقيق هذه المقاصد فإنه يعامل بنقيض القصد الفاسد، ويكون عريًا عن إجرائها عليه؛ إذ «كل تصرف لا يترتب عليه مقصوده لا يشرع من أصله» ( [70] ) وتبعًا لذلك «فكل من ابتغى في تكاليف الشريعة ما لم تشرع له فعمله باطل» . ( [71] )
أما بطلان المناقض للشريعة فلكون المشروعات إنما وضعت لتحصيل المصالح ودرء المفاسد، فمخالفتها مجرد للأفعال المُخالَف بها من جلب المصالح ودرء المفاسد.
أما كونه ابتغى في الشريعة ما لم توضع له، مناقضًا لها، فيبينه الشاطبي من وجوه، أبرزها:
-أن حاصل هذا القصد يرجع إلى أن ما رآه الشرع حسنًا فهو عند هذا القاصد ليس بحسن، وما لم يره الشارع حسنًا فهو عند المكلف حسن، وهذه مضادة.
-أن الأخذ في خلاف مآخذ الشارع من حيث القصد إلى تحصيل المصلحة أو درء المفسدة مشاقة ظاهرة، وقد قال تعالى: (( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا ) ) (النساء:115) .
-أن هذا القاصد مستهزئ بآيات الله؛ لأن من آياته أحكامه التي شرعها، وقد قال بعد ذكر أحكام شرعها: (( وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ) ) (البقرة:231) . والمراد أن لا يقصد بها غير ما شرعها لأجله. ( [72] )
ومن أبرز ما يندرج في هذا الباب ما يعرف بالحيل الشرعية، التي يقدمها أصحابها بقصد إبطال مقصد الشارع والتنصل من التكاليف.