فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 120

انطلاقًا من كون اعتبار المآلات مرادًا به صرف الأفعال من أحكامها الأصلية إلى أحكام أخرى، تلافيًا لما ينتج عن الأولى من مآلات فاسدة، وتوجيهها إلى مآلات الصلاح، وكون النظر في مآل العمل بالحكم واجبًا على المجتهد، بحيث إذا أفضى إلى مفسدة راجحة منع العمل به، وكذلك الحكم بالمنع إذا أدى إلى تلك المفسدة أبيح؛ لأن مآلات الأفعال معتبرة مقصودة شرعًا، بدليل اعتبار الشارع للمسببات عند تشريع الأسباب لها، فإن هذا الصرف لا يمكن أن يكتسب حكم المشروعية إذا كان منطلقه الاعتباط والتحكم؛ لإفضائه حينها إلى تبديل شرع الله وتحريف الكلم عن مواضعه. فلا بد أن يجري هذا الصرف عبر طرق شرعية -اقتضاها أصل اعتبار المآلات- وشهد لها الشرع بالاعتبار، وتعد ضابطة لهذا الصرف للسير على مسلك لا عوج فيه ولا شطط.. وأبرز هذه المسالك: سد الذرائع، والاستحسان، ومنع الحيل.

أولًا: سد الذرائع:

الذرائع في اللغة: تطلق الذريعة في اللغة ويراد بها الوسيلة التي يتوسل بها إلى الشيء، قال صاحب مختار الصحاح: «والذريعة الوسيلة، وقد تذرع فلان بذريعة، أي توسل بوسيلة والجمع (الذرائع) » ( [19] ) .

الذرائع في الاصطلاح: عرفها الشاطبي بقوله: «حقيقتها التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة» ( [20] ) ، وهو بهذا يذهب مذهب التفريق الاصطلاحي بين الوسائل والذرائع، فالوسائل مؤداها المصالح بينما الذرائع مؤداها المفاسد، وهذا ما ذهب إليه ابن القيم في بيانه لمكانة سد الذرائع من الدين حيث قال: «وباب الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان: أحدهما مقصود لنفسه، والثاني وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين» . ( [21] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت