فهرس الكتاب
ومنطلق ابن حزم في إنكاره سدّ الذرائع أن الحلال والحرام لا يثبتان بالظن بل باليقين لقوله تعالى: (( وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ الْحَقّ شَيْئًا ) ) (يونس:36) .
ومن ثم فإن «كل من حكم بتهمة أو باحتياط لم يستيقن أمره ، أو بشيء خوف ذريعة إلى ما لم يكن بعد، فقد حكم بالظن، وإذا حكم بالظن فقد حكم بالكذب والباطل، وهذا لا يحل، وهو حكم بالهوى، وتجنب للحق، نعوذ بالله من كل مذهب أدى إلى هذا، مع أن هذا المذهب في ذاته متخاذل متفاسد متناقض؛ لأنه ليس أحد أولى بالتهمة من أحد. وإذا حرم شيئًا حلالًا خوف تذرع إلى حرام، فليخص الرجال خوف أن يزنوا، وليقتل الناس خوف أن يكفروا، وليقطع الأعناب خوف أن يعمل منها الخمر. وبالجملة فهذا المذهب أفسد مذهب في الأرض؛ لأنه يؤدي إلى إبطال الحقائق، وبالله التوفيق» ( [29] ) .
هكذا ختم ابن حزم مبحثه عن الذرائع في ظاهرية تتناسب مع مذهبه في إنكار التعليل والاجتهاد بالرأي خارج النص.. وتأملًا فيما قاله ابن حزم يلاحظ ما يلي:
1-إن المشتبه فيه مشكوك في حله وحرمته، واستسهاله يجرئ النفس على انتهاكه، والنظام التشريعي قائم على الاحتياط لأحكام الشريعة من الانتهاك.
2-إن الأحكام العملية قائمة في غالبها على غلبة الظن، وعليه فالزعم بأن القول بسدّ الذرائع يفضي إلى القول بإخصاء الرجال خوف أن يزنوا ...إلخ لا ينهض له دليل ولا يقوم على أصل، فلم يقل أحد - من القائلين بسد الذرائع- بهذا التعميم، بحيث يمنع كل ما احتمل أن يؤدي إلى حرام، وإلا فكل ما في الدنيا -حتى العبادات- يمكن التذرع به إلى الحرام، بل الأمر مخصوص بضوابط وشروط استشفت من نصوص الشرع.
3-إن القول بسد الذرائع نظر إلى مقاصد التشريع والنتيجة التي يؤول إليها الفعل، فما دامت نتيجة الفعل لا تستقيم مع مقصد الشارع فإن المُتَذرَّع به يبطل ولو كان مباحًا أصالة.
أدلة المثبتين: