فهرس الكتاب
ومثال التحيل: «الواهب ماله عند رأس الحول فرارًا من الزكاة؛ فإن أصل الهبة على الجواز، ولو منع الزكاة من غير هبة لكان ممنوعًا، فإن كل واحد منهما ظاهر أمره في المصلحة أو المفسدة، فإذا جمع بينهما على هذا القصد صار مآل الهبة المنع من أداء الزكاة، وهو مفسدة، ولكن هذا بشرط القصد إلى إبطال الأحكام الشرعية» ( [35] ) ، و «معلوم أن صورة هذه الهبة ليست هي التي ندب الشرع إليها؛ لأن الهبة إرفاق وإحسان للموهوب له، وتوسيع عليه، غنيًا كان أو فقيرًا، ولو كانت على المشروع من التمليك الحقيقي لكان ذلك موافقًا لمصلحة الإرفاق والتوسعة، ورفعًا لرذيلة الشح، فلم يكن هروبًا عن أداء الزكاة، فتأمل كيف كان القصد المشروع في العمل لا يهدم قصدًا شرعيًا، والقصد غير الشرعي هادم للقصد الشرعي» . ( [36] )
2-إن التحيل بالمعنى الأصولي المشهور، تعارضت فيه مصلحة الأصل مع مفسدة المآل، فلم تعتبر الأولى واعتبرت الثانية، فكان حكم التحيل المنع ترجيحًا لمفسدة المآل على مصلحة الأصل؛ لكون مفسدة المآل هادمة لمقاصد التشريع.
3-إن التحيل المنهي عنه هو ما آل بالتصرف المُتحيَّل به إلى هدم أصل شرعي ذي مقصد كلي، ومناقضة مصلحة شرعية جزئية، وفي هذا يقول الإمام الشاطبي: «إذا ثبت هذا، فالحيل التي تقدم إبطالها وذمها، والنهي عنها، ما هدم أصلًا شرعيًا، وناقض مصلحة شرعية، فإن فرضنا أن الحيلة لا تهدم أصلًا شرعيًا ولا تناقض مصلحة، شهد الشرع باعتبارها، فغير داخل في النهي، ولا هي باطلة» . ( [37] )
وهذا التحيل الذي قوامه تلك العناصر هو الذي جرت أقوال العلماء في ذم أهله، والتحذير منه، وإبطاله، وهو الذي أراده الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الحيل» من الجامع الصحيح، وأخرج فيه من الأحاديث الدالة على إبطاله. ( [38] )