فهرس الكتاب
وهو في غالبه كما قال الشاطبي: «الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي» ( [55] ) .. وهو إذن طريق لدرء التعسف في الاجتهاد الذي يفضي إليه طرد الأقيسة والقواعد. ( [56] )
الاستحسان تحرٍّ للمصلحة وضبط للمآل:
إنّ كون النظر في مآلات التطبيق معتبرًا شرعًا يؤكده ويدعمه مبدأ الاستحسان الهادف إلى تحري المصلحة إبّان تطبيق الحكم، وذلك عن طريق الاستثناء من مقتضى القواعد والأقيسة، ومثال الاستحسان: استعمال الحق الذي يلزم عنه أضرار بينة بالغير ولو لم تكن مقصودة. قال الزيلعي: «والقياس أنه يجوز للمالك أن يتصرف في ملكه كيف شاء، ولو تضرر من ذلك جاره ضررًا بينًا، ولكن ترك ذلك استحسانًا للمصلحة» ( [57] ) . فهنا أعمل منع صاحب الحق من استعماله لحقه على هذا النحو توثيقًا لمبدأ المصلحة؛ لأن الحقوق لم تشرع للإضرار بالغير، فالمناقضة لمقصد الشارع في هذا الاستعمال ظاهرة، ولو كان الاستعمال في ظاهره يستند إلى حق.
ولا شك أن المصلحة من أظهر مقاصد الشرع، فاستثني هذا الحكم من القياس وهو أن الناس مسلطون على أموالهم. ( [58] )
وفي هذا يقول ابن عبد السلام: «ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها إجماع ولا نص ولا قياس خاص، فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك» . ( [59] )
ثم إن الأمر في التحقيق راجع إلى اعتبار المآل في تحصيل المصالح أو درء المفاسد على الخصوص، حيث كان الدليل العام يقتضي الإذن المطلق في استعمال الحق، بيد أن الاستمرار مع الدليل العام يؤدي إلى رفع ما اقتضاه ذلك الدليل من المصلحة، فكان من الواجب رعي ذلك المآل توثيقًا للمصلحة المقصودة شرعًا.
ـــــــــــــــــــــــ
( [19] ) الرازي، محمد بن أبي بكر،مختار الصحاح (بيروت:دار الفكر، ط-1981م) ،ص221، مادة (ذرع) .
( [20] ) الموافقات، 4/199.
( [21] ) إعلام الموقعين، 3/130