فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 120

وبالرجوع إلى التعريفات المعتمدة للاستحسان لدى كبار القائلين به، يتبين مذهبهم فيه، وأن الأمر في محصلته النهائية يعود إلى وفاق لا إلى خلاف، وأنه يهدف إلى تحري المصلحة عند اطراد القياس والقواعد المفضية إلى نقض مقاصد الشارع. ( [49] )

فقد عرفه الإمام الكرخي الحنفي بقوله: «الاستحسان هو أن يعدل الإنسان عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه، لوجه يقتضي العدول عن الأول» . ( [50] )

ويقول السرخسي في تعريفه: «الاستحسان ترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس، وقيل: الاستحسان طلب السهولة في الأحكام فيما يُبتَلَى فيه الخاص والعام، وقيل: الأخذ بالسعة وابتغاء الدعة، وقيل: الأخذ بالسماحة وابتغاء ما فيه الراحة، وحاصل هذه العبارات أنه ترك العسر لليسر، وهو أصل في الدين، قال تعالى: (( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) ) (البقرة:185) ( [51] ) .

فالسرخسي يبين أن أصل مشروعية الاستحسان للتيسير ومنع غلو القياس.

ويدنو من هذا المعنى ما حده به ابن العربي بأنه عند مالك: «استعمال مصلحة جزئية في مقابلة قياس كلي» . وما قاله ابن رشد في الاستحسان: «الاستحسان الذي يكثر استعماله، حتى يكون أعم من القياس، هو أن يكون طرحًا لقياس يؤدي إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه، فعدل عنه في بعض المواضع لمعنى يؤثر في الحكم يختص به ذلك الموضع» . ( [52] )

أما الطوفي من الحنابلة فقال: «أجود تعريف للاستحسان أنه العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي خاص. قال: وهذا مذهب أحمد.» ( [53] )

وإمعان النظر في التعريفات السابقة يفضي إلى أن حقيقة الاستحسان تكمن في: ترجيح قياس خفي على قياس جلي بناء على دليل؛ استثناء مسألة جزئية من قاعدة كلية أو أصل عام لاقتضاء دليل خاص لذلك. ( [54] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت