فهرس الكتاب
وقد كان الاستحسان موضع إقرار من المالكية والحنابلة، حتى عدّه الإمام مالك تسعة أعشار العلم، وقال أصبغ في الاستحسان: قد يكون أغلب من القياس، وجاء عنه أن المُغرِق في القياس يكاد يفارق السنة. وهذا الكلام -كما يقول الإمام الشاطبي- لا يمكن أن يكون بمعنى «ما يستحسنه المجتهد بعقله، أو أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد تَعسُر عبارته عنه، فإن مثل هذا لا يكون تسعة أعشار العلم، ولا أغلب من القياس الذي هو أحد الأدلة» . ( [46] )
ومن ثمَّ فإن الإنكار الشديد للاستحسان من قبل الشافعي، ومقولته المشهورة «من استحسن فقد شرع» لا يمكن إدراك مراميها ومضامينها إلا في ضوء معرفة حقيقة الاستحسان عند القائلين به، والذي ما جيء به إلا تحرّيًا للمصالح والعدل، و «أنه نظر إلى لوازم الأدلة ومآلاتها» . ( [47] )
ويُعدُّ عدم التحديد المنهجي لمعنى الاستحسان على عهد الأئمة المؤسسين للمذاهب واكتفاؤهم بتعميمات يفهم منها كون الاستحسان عنوان أمر يعارض الدليل الظاهر، أو يحد من عموم نص، أو يقيد من إطلاق أصل كلي، والغموض في تحديد مدلول المصطلح وما أسنده من تقليد للأئمة سَببَ تقولاًّ غير مبني على دليل في نقد الخصم، لعدم تبيُّن محل الخلاف، ومن ثم فإن بيان حقيقة الاستحسان عند القائلين به هاد إلى معرفة مدى صحة وصلاحية هذا المسلك الاجتهادي في ضبط المآلات.
حقيقة الاستحسان:
يطلق الاستحسان في اللغة ويراد به عَدُّ الشيء حسنًا أو اتباع الحسن في الأمور الحسية والمعنوية، يقال: استحسن الرأي أو القول أو الطعام أو الشراب، بمعنى عدّه حسنًا، ويقال: هذا مما استحسنه المسلمون. ( [48] )
وليس الخلاف بين العلماء في جواز استعمال لفظ الاستحسان لوروده في الكتاب الكريم كقوله تعالى: (( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) ) (الزمر:18) ، إنما الخلاف في معنى الاستحسان وحقيقته.