مُؤْمِنًا -. بألف بعد لام وقال كان رجل في غنيمة له (تصغير غنم) فلحقه المسلمون فقال السلام عليكم فقتلوه (أي ظنوه مشركا يريد أن يتقي منهم بالسلام) وأخذوا غنيمته فأنزل الله في ذلك: - وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلاَمَ - الآية. فالآية ليست نازلة في القصة بخصوصها ولكن نزلت في أحكام الجهاد بدليل ما قبلها وما بعدها فإن قبلها: - يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا - وبعدها - فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ -. قال السيوطي في الإتقان عن الزركشي قد عُرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال نزلت هذه الآية في كذا فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم لا أن هذا كان السبب في نزولها.
-- الخامس: قسم يبين مجملات، ويدفع متشابهات مثل قوله تعالى: - وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الكَافِرُونَ - إذا عُلم أن سبب النزول هم النصارى علم أن"من"موصولة وعلم أن الذين تركوا الحكم بالإنجيل لا يتعجب منهم أن يكفروا بمحمد. ومن هذا القسم مالا يبين مجملا ولا يؤول متشابها ولكنه يبين وجه تناسب الآى بعضها مع بعض كما في قوله تعالى (في سورة النساء) : - وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ - الآية، يبينها ما في الصحيح، عن عائشة - أن عروة ابن الزبير سألها عنها فقالت:"هذه اليتيمة تكون في حجر ولييها تَشْرَكه في ماله فيريد أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فنُهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن في الصداق. فأمروا أن ينكحوا ما طاب من النساء سواهن".
هذا وأن القرآن قد جاء بكليات تشريعية وتهذيبية، والحكمة في ذلك أن يكون وعي الأمة لدينها سهلا عليها، ولذلك قال تعالى: - وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي -، فكما لا يجوز حمل كلماته على خصوصيات جزئية لأن ذلك يبطل مراد الله، كذلك لا يجوز تعميم ما قصد منه الخصوص ولا إطلاق ما قصد منه التقييد، لأن ذلك قد يفضي إلى التخليط في المراد أو إلى إبطاله من أصله.
والفائدة العظيمة الأخرى لأسباب النزول وهي أن في نزول القرآن عند حدوث حوادث دلالة على إعجازه من ناحية الارتجال، فنزوله على حوادث يقطع دعوى من ادعوا انه أساطير الأولين.
يرى الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور أن علم القراءات علم جليل مستقل قد خص بالتدوين والتأليف، ولولا أن المفسرين أولوه العناية بذكر اختلاف القراءات لكان اختار أن لا يخوض في هذا الباب، ولكن من باب الاضطرار - كما يقول هو- أن يكتب في هذا الغرض، متخذا ذلك حجة -لقراء تفسيره - في إعراضه عن ذكر بعض القراءات في كتابه.