الصفحة 26 من 45

وجوه الإعجاز، ومثال ذلك قوله تعالى: - إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ - وقرأ الحسن البصري وعدها أباه، فنشأ احتمال فيمن هو الواعد.

وقد جعل الله القرآن كتاب الأمة كلها وفيه هديها، ودعاهم إلى تدبره، وبذل الجهد في استخراج معانيه في غير ما آية كقوله تعالى: - فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ - وقوله: - وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ ... الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ - وقوله: - بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الذِينَ أُوتُوا العِلْمَ - وغير ذلك.

ويدل على هذا كما يقول الشيخ ابن عاشور ما وقع إلينا من تفسيرات مروية عن النبي - لآيات، فنرى منها ما نوقن بأنه ليس هو المعنى الأسبق من التركيب، ولكنا بالتأمل نعلم أن الرسول - ما أراد بتفسيره إلا إيقاظ الأذهان إلى أخذ أقصى المعاني من ألفاظ القرآن (1) [21] ، مثال ذلك ما رواه أبو سعيد بن المعلى قال: دعاني رسول الله - وأنا في الصلاة فلم أجبه فلما فرغت أقبلت إليه فقال:"ما منعك أن تجيبني؟ فقلت: يا رسول الله كنت أصلي، فقال:"ألم يقل الله تعالى: - اِسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ -؟ يقول الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور إن لفظ الاستجابة لما كان صالحا للحمل على المعنى الحقيقي، وهو إجابة النداء حمل النبي - الآية على ذلك في المقام الصالح له (2) [22] ، بقطع النظر عن المتعلق وهو قوله - لِمَا يُحْيِيكُمْ -.

وكذلك قوله تعالى: - إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ - فقال عمر بن الخطاب للنبي - لما أراد الصلاة على رأس المنافقين:"كيف تصل على عبد الله ابن أبي بن سلول المنافق الذي فعل كذا وقال يوم كذا ما قال، فقال النبي:"خيرني ربي وسأزيد على السبعين". فحمل قوله تعالى: - اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ - على التخيير مع أن ظاهره أنه مستعمل في التسوية، وحمل اسم العدد على دلالته الصريحة دون كونه كناية عن الكثرة كما هو قرينة السياق ... ثم جاء القرآن مصداقا لكلام عمر - لاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ -، وذكر أمثلة أخرى تغنينا هذه عن ذكرها."

وكذلك ما ورد عن أصحاب النبي - ومن بعدهم من الأئمة مثل ما روي أن عمرو بن العاص أصبح جنبا في غزوة في يوم بارد فتيمم وصلى بالناس ولما اشتكوا إلى النبي - قال له:"أصليت بالناس وأنت جنب؟"قال: الله تعالى يقول: ... - وَلاَ تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا - استدل بها لما خاف على نفسه من البرد، فسكت عنه النبي - مع أن مورد الآية أصله في النهي عن أن يقتل الناس بعضهم بعضا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت