الصفحة 27 من 45

ومن ذلك أن عمر لما فتحت العراق لم يقسم الأرض السواد بين المسلمين، واستدل بالآية - وَالذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ - وقال:"إن قسمتها بينكم لم يجد المسلمون الذين يأتون بعدكم من البلاد المفتوحة مثل ما وجدتم"فجعلها خراجا على أهل الأرض يقسم على المسلمين كل موسم، وغيرها من الأمثلة.

وكذلك القراءات المتواترة إذا اختلفت في قراءة ألفاظ القرآن اختلافا يفضي إلى اختلاف المعاني، فهو يرجع إلى هذا الأصل.

ثم إن معاني التركيب المحتمل معنيين فصاعدا قد يكون بينهما العموم والخصوص، وقد يكون ثاني المعنيين متولدا من المعنى الأول، مثل الكناية والتعريض والتهكم مع معانيها الصريحة، كما فهم ابن عباس أجل رسول الله - من سورة النصر (1) [23] .

فمختلف المحامل التي تسمح بها كلمات القرآن وتراكيبه وإعرابه ودلالته، من اشتراك وحقيقة ومجاز، وصريح وكناية، وبديع، ووصل، ووقف، إذا لم تفض إلى خلاف المقصود من السياق، يجب حمل الكلام على جميعها كالوصل والوقف في قوله تعالى: - لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ -، إذا وقف على ريب أو على فيه.

ومن أدق ذلك وأجدره التنبيه على استعمال اللفظ المشترك في معنييه أو معانيه دفعة. واستعمال اللفظ في معناه الحقيقي ومعناه المجازي معا: إرادة المعاني المكنى عنها مع المعاني المصرح بها، وإرادة المعاني المستتبَعات من التراكيب المسستتبِعة.

وقد نبه علماء العربية الذين اشتغلوا بعلم المعاني والبيان على هذا الأخير. وبقي المبحثان الأولان -استعمال اللفظ المشترك في معنييه أو معانيه -، واستعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، محل تردد بين المتصدين لاستخراج معاني القرآن تفسيرا وتشريعا، سببه أنه غير وارد في كلام العرب أو واقع بندرة.

والذي يجب اعتماده -بحسب ابن عاشور- أن يحمل المشترك في القرآن على ما يحتمله من المعاني سواء في ذلك اللفظ المفرد المشترك، والتركيب المشترك بين مختلف الاستعمالات، سواء كانت المعاني حقيقية أو مجازية، محضة أو مختلفة. وذكر أمثلة على ذلك.

ويختم ابن عاشور هذه المقدمة بقوله أن هذا القانون يجمع بين المعاني التي يذكرها المفسرون، أو ترجيح بعضها على بعض. ورغم اعتماد المفسرين على ترجيح معنى من المعاني مما يجعل غير ذلك المعنى ملغى، إلا أن ابن عاشور يرى أن المعاني المتعددة التي يحتملها اللفظ - بدون خروج عن معين الكلام العربي البليغ- معاني في تفسير الآية، واعتمد ذلك في تفسيره لبعض الآيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت