فأما أنا فأردت في هذه المقدمة أن ألم بك أيها المتأمل إلمامة ليست كخطرة طيف. ولا هي كإقامة المنتجع في المَرْبَع حتى يظله الصيف. وإنما هي لمحة ترى منها كيف كان القرآن معجزا وتتبصر منها نواحي إعجازه وما أنا بمستقص دلائل الإعجاز في آحاد الآيات والسور، فذلك له مصنفاته وكل صغير وكبير مستطر. بهذه الكلمات افتتح الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور مقدمته العاشرة والتي جعلها في إعجاز القرآن ومبتكراته وعاداته.
ويفرق الشيخ ابن عاشور بين البلاغة والأدب ويعيب على من خلط بينهما، ليبدأ حديثه حول أصول ونكت أغفلها من تقدموا ممن تكلموا في إعجاز القرآن وتبيين علاقة هذه المقدمة بالتفسير فيقول أن مفسر القرآن لا يعد تفسيره لمعاني القرآن بالغا حد الكمال في غرضه ما لم يكن مشتملا على بيان دقائق من وجوه البلاغة في آيه المفسرة. فالمفسر بحاجة إلى بيان ما في آي القرآن من طرق الاستعمال العربي وخصائص بلاغته لألا يعتبر المعرض عن ذلك بمنزلة المترجم لا بمنزلة المفسر.
يقول فمن أعجب ما نراه خلو معظم التفاسير عن الاهتمام بالوصول إلى هذا الغرض الأسمى - خصائص البلاغة وطرق الاستعمال العربي- إلا عيون التفاسير، واعتبر المقل في ذلك أمثال"معاني القرآن"لأبي إسحاق الزجاج، و"المحرر الوجيز"للشيخ عبد الحق بن عطية الأندلسي، والمكثر فيه كما هو معروف عند تفسير"الكشاف"للزمخشري. ولم يعذر التفاسير الخالية من هذه المعاني إلا من نحا ناحية خاصة من معاني القرآن مثل أحكام القرآن، ووصف أصحاب بعض التفاسير ممن لم يغفلوا عن الاهتمام بهذه الفنون بأصحاب الهمم العالية أمثال"أحكام القرآن"لإسماعيل بن إسحاق بن حماد المالكي البغدادي، وفي مواضع من"أحكام القرآن"لأبي بكر بن العربي.
واعتبر العناية بما هو بصدده من بيان وجوه إعجاز القرآن إنما نبعت من مختزل أصل كبير من أصول الإسلام وهو كونه المعجزة الكبرى للنبي -، وكونه المعجزة الباقية، وهو المعجزة التي تحدى بها الرسول معانديه تحديا صريحا. فهو معجزة عامة، ولزوم الحجة به باق من أول ورودها إلى يوم القيامة، وإن كان يعلم وجه إعجازه من عجز أهل العصر الأول عن الإتيان بمثله فيغني ذلك عن نظر مجدد، فكذلك عجز أهل كل عصر من العصور التالية عن النظر في حال عجز أهل العصر الأول، ودليل ذلك متواتر من نص القرآن في عدة آيات تتحدى العرب بأن يأتوا بسورة مثله، وبعشر سور مثله مما هو معلوم، نحو قوله تعالى: - وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا ... شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ -، وقد اختلف العلماء في تعليل عجزهم عن ذلك فذهبت طائفة قليلة إلى تعليله بأن الله صرفهم عن معارضة القرآن فسلبهم