الصفحة 34 من 45

وأما العلم الحقيقي فهو معرفة ما بمعرفته كمال الإنسان، وما به يبلغ إلى ذروة المعارف وإدراك الحقائق النافعة عاجلا وآجلا. وكلا العلمين كما يقول ابن عاشور كمال إنساني ووسيلة لسيادة أصحابه على أهل زمانهم (1) [28] . وقد اشتمل القرآن على العِلمين، فأما النوع الأول فهو لا يحتار إلى كبير عناء وفكر فإن مبلغ العلم عند العرب وقتذاك هو علوم أهل الكتاب ومعرفة الشرائع والأحكام وقصص الأنبياء والأمم وأخبار العالم، وقد أشار إلى هذا القرآن بقوله: - وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ - وقال: - تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا - .. ونحوه من محاجة أهل الكتاب.

وعد ذكر أخبار القرون السالفة في نسق وجوه الإعجاز، أن العرب لم يكن أدبهم مشتملا على التاريخ إلا بإشارات نادرة فجاء القرآن بالكثير من ذلك (خبر موسى مع الخضر، يوسف واخوته، أصحاب الكهف، وذي القرنين ولقمان وغيره ... ) . فمن أخبار العرب قوله: - وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ - وقوله: - فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ -.

وأما النوع الثاني من إعجازه العلمي فهو ينقسم إلى قسمين: قسم يكفي لإدراكه فهمه وسمعه، وقسم يحتاج إدراك وجه إعجازه إلى العلم بقواعد العلوم فينبلج للناس شيئا فشيئا انبلاج أضواء الفجر على حسب مبالغ الفهوم وتطورات العلوم، وكلاهما دليل على أنه من عند الله لأنه جاء به أمي، والجائي به ثاوٍ بينهم لم يفارقهم. فمن طرق إعجازه العلمية أنه دعا إلى النظر والاستدلال، كقوله: - لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا - وقوله: - أَوَ لَيْسَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ - (2) [29] . ولقد فتح القرآن الأعين إلى فضائل العلوم، فشبه العلم بالنور والحياة كقوله: - لِتُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا - وقوله: - يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ - وذكر العلماء في قوله: - وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ - وقال: - هَلْ يَسْتَوْي الذِينَ يَعْلَمُونَ والذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ -.

وهذا النوع من الإعجاز هو الذي خالف به القرآن أساليب الشعر وأغراضه مخالفة واضحة، إذ لا قبل لهم بتلك العلوم كما قال تعالى: - مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت