الصفحة 35 من 45

خاتمة

» التحرير والتنوير «شهادة على قطيعة"إبستيمولوجية"صارخة وهوة نفسية وسلوكية شاسعة ... - أتحدث هنا على بلد المفسر على الأقل- بين موروث الأمة وتاريخها وبين ما عهد إلى أبناء المسلمين من مناهج وتيارات فكرية هدامة مفادها أن الإسلام والفكر الإسلامي والشريعة كانت وراء تخلف المسلمين وتقدم غيرهم.

في خضم تلك المعركة الحاقدة حاول الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور ومن معه من المصلحين دحض الموجة الاستعمارية وما روجت له -عن طريق أتباعها فيما بعد- من اللحاق بركب الحضارة الغربية واقتفاء آثار تقدمها ونهج منهجها، وذلك بإصلاح مناهج التعليم الزيتوني والتركيز على النهوض بالعلم والتربية كطريق للمقاومة والنهضة، ولكن الهجمة كانت أكبر من تفسير» التحرير والتنوير «.

وما حاول أن يكمله رجالات الحركة الإسلامية الحديثة اليوم من حمل المشعل بعيد عن أن يكون من نفس النوع والقيمة التي خطها الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور. ولئن قدمت الحركة الإسلامية في تونس ومن قبلها حركة صوت الطالب الزيتوني الشهداء على اغتيال الإسلام في أقدس معالمه"جامع الزيتونة"، إلا أن مداد العلماء يظل خيرا وأبقى من دماء الشهداء، والحال أن المعركة في تونس اليوم معركة علوم وبدائل وليست معركة سياسية لأنه لم يعد هناك مجال للسياسة في وطننا العربي بصفة عامة.

ولئن كانت ردة فعل الحركة الإسلامية المعاصرة في تونس -الوريث الوحيد للزيتونة ورجالها- هو السياسة والنهج التغييري عبر المقاومة الميدانية وتحريك الشارع، في مقاومة العلمانية والتيارات اليسارية التي دفنت الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور-كتراث - ودفنت تفسيره، فقد سلك الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور الطريق الوسط جامعا بين الإثنين، بين التحرك السياسي والميداني في مقاومة المستعمر ومن بعده النظام البورقيبي، والتحرك والتحريك والتحرير العلمي والتربوي والثقافي وما» التحرير والتنوير «إلا شهادة حية على ذلك.

ولئن كان هذا التفسير لكتاب الله - هو ثمرة قرون من التواصل والتوارث العلمي والحضاري للأمة الإسلامية والعقيدة الإسلامية عبر أربعة عشر قرنا، فإن جامع الزيتونة هو الذي خرج مثل الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور ليكتب» التحرير والتنوير «، وحضن شباب تونس وشمال إفريقيا عموما ليتوارثوا هذا العلم وينتجوا لنا جيلا من المتخرجين تربينا في أكناف لغتهم العربية ومناهجهم الزيتونية. وأن هذه المنارة اليوم لم يعد لها أثر فمن يحمي عقيدة البلاد والأمة إذا اختفت هذه المنارات، وماذا عسى الأمة والشعوب الإسلامية عموما أن تتوارث إذا لم تنتج وتتبادل العلم الشرعي وتعنى بعلمائها. وماذا عسى عقيدة الشباب الإسلامي وشباب تونس خاصة أن تكون إذا مسح الغبار على ثماثيل» حنبعل «وأحيي تراث» عليسا «وأغلقت المساجد ونقيت المناهج التربوية في المدارس من كل أثر إسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت