فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 266

قال الحسين أخبرنا ابراهيم بن سعيد الجوهري قال حدثنا حجاج بن محمد قال حدثنا المسعودي عن عون بن عبد الله أنه كان يقول لابنه يا بني كن ممن نأيه عمن نأى عنه يقين ونزاهة ودنوه ممن دنا منه لين ورحمه، ليس نأيه بكبر ولا عظمة ولا دنوه بخدع ولا خلابة يقتدي بمن قبله، وهو [في الأصل فهو] إمام لمن بعده، ولا يعجل فيما رابه، ويعفو اذا تبين له، يغمض في الذي له، ويزيد في الحق الذى عليه، لا يعزب حلمه ولا يحضر جهله، الخير منه مأمول والشر منه مأمون، إن زُكِّي خاف مما يقولون واستغفر لما لا يعلمون، لا يغره ثناء من جهله، ولا ينسى إحصاء من علمه، يقول: ربي أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بي من غيري، فهو يستبطىء نفسه في العمل ويؤتي [في الأصل ويأتي] ما أتى من الاعمال الصالحة على وجل، إن عصته نفسه فيما كرهت لم يطعها فيما أحبته، يبيت وهو يذكر، ويصبح وهمته أن يشكر، يبيت حذرًا ويصبح فرحًا، حذرًا لما حذر من الغفلة، فرحًا لما أصاب من الفضل والرحمة، لا يحدث أمانته الأصدقاء، ولا يكتم شهادته الأعداء، ولا يعمل بشيء من الخير رياء، ولا يدع شيئًا منه حياء، إن كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين وإن كان في الغافلين كتب في الذاكرين لأنه يذكر حين لا يذكرون ولا يغفل حين يذكرون، زهادته فيما ينفد ورغبته فيما يخلد، فيصمت ليسلم ويخلو ليغنم وينطق ليفهم ويخالط ليعلم، ولا ينصب للخير وهو يسهو، ولا يستمع له وهو يلغو، مجالس الذكر مع الفقراء أحب اليه من مجالس اللغو مع الأغنياء؛ ولا تكن يا بني ممن يعجب باليقين من نفسه فيما ذهب وينسى اليقين فيما رجا وطلب، يقول فيما ذهب: لو قدر شيء كان، ويقول فيما بقي: ابتغ أيها الانسان، شاخصًا غير مطمئن لا يثق من الرزق بما قد تُضُمن له، تغلبه نفسه على ما يظن ولا يغلبها على ما يستيقن، يتمنى المغفرة ويعمل في المعصية، كان في أول عمره في غفلة وغِرّة، ثم أُبقي وأُقيلَ العثرة فاذا هو في آخره كسل ذو فترة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت