ظلماتها وتألفت ببركة دعوته القلوب بعد شتاتها، وسارت دعوته سير الشمس في الأقطار وبلغ دينه ما بلغ الليل والنهار (1) ؛ وبعد .
فهذا الكتاب تيسير وتقريب واختصار وتهذيب لكتاب (الزهد والرقائق) للإمام الكبير العالم العامل المحدث الحافظ الفقيه المجتهد القارئ المفسر الواعظ الناصح المجاهد المرابط العابد الزاهد التاجر المتصدق المنفق السخي الشاعر الماهر الأديب الأريب اللغوي اللبيب، الذي اجتمعت فيه - بشهادة العلماء - خصال الخير: عبد الله بن المبارك رحمه الله.
ولقد رأيت أن أقدم بين يدي هذا المختصر هذه الفصول الثلاثة:
الفصل الأول: في بيان شدة الحاجة إلى كتب الزهد ووجوب الاعتناء بها والانتفاع من نفائسها.
الفصل الثاني: في ترجمة موجزة لابن المبارك.
الفصل الثالث: في بيان منهجي في انتقاء هذا المختصر من أصله.
الفصل الأول
في أهمية كتب الزهد والتزكية
إن المراد بالدنيا في قولنا (الزهد في الدنيا) هو ما في الدنيا من شهوات ومستلذات سواء ما كان منها مباحًا أو محرمًا، فالدنيا هنا عبارة عن النساء والبنين والمال والحلي والثياب والمراكب والمساكن والعقارات والمزارع والمصانع والتجارات والمطاعم والمشارب والوجاهات والمناصب والشهرة والصحة والقوة والجمال ونحو ذلك مما يحبه الناس ويرغبون في تحصيله واكتسابه أو يتمنونه ويحرصون على التوصل إليه أو ينافسون غيرهم فيه أو يحسدونهم عليه.
وليس المراد بالزهد في هذه الأمور تركها من أصلها أو تحريمها كلها أو محاربتها وإنما المراد به أن لا يتعلق القلب بالمباح من ذلك - فضلًا عن المحرم منه - وأن لا تكون المباحات مطلوبة لذاتها وإنما تطلب للاستعانة بها على طاعة الله ومراضيه وعلى اجتناب معصيته ومناهيه، وأن لا يؤثر طلب المرء لها على دينه ولا يصده عن سبيله.
(1) استفدت أصل هذه الخطبة من بعض خطب الإمام ابن القيم رحمه الله رحمة واسعة .