وكذلك ليس المراد بالزهد معاكسة الفطرة التي فطر الله الناس عليها ولا حرمان النفس والبدن من الحاجات الضرورية والمهمة التي أباحها الله ولا قوام لهما إلا بها.
ولا يراد به أيضًا إيثار الذل على عزة الإيمان أو إيثار الجهل على العلم الشرعي أو على النافع المشروع الذي يحتاجه المسلمون من العلوم التجريبية، أو إيثار المرض على الصحة، أو الفقر على الغنى، أو الشقاء على السعادة، أو الضيق على السعة، لا، ليس شيء من ذلك يدخل في معنى الزهد لا من قريب ولا من بعيد، وإنما الزهد إيثار الدين على كل ما يشغل عنه أو يمنع منه، وإيثار الآخرة ونعيمها الدائم الكامل على الدنيا ونعيمها الناقص المنغص المنكد الزائل، وذاك أن متاع الدنيا زائل أولًا وأن كثرة الانشغال به يشغل صاحبه عن كمال الاشتغال بالدين وطلب الجنة ورضا الله رب العالمين ثانيًا.
ثم إن الزهد في نفسه ليس كله دينًا يتعبد الله به ويتقرب إليه بواسطته، وإنما يكون الزهد دينًا وقربةً عندما يكون إيثارًا للآخرة على الدنيا وانشغالًا بالطاعات والقرب عن التوسع في المباحات والمستلذات، وعندما يمتلئ القلب بالقرآن ومعانيه والحديث ومقاصده والآثار الطيبة ومراداتها؛ وعندما يحرص المؤمن على وقته وجهده كحرص عباد الدنيا على أموالهم ولذاتهم، وعندما يبلغ الخوف والهم والحزن في القلب مبلغًا لا يكاد المؤمن يلذ معها بطعام أو شراب أو لباس أو نحو ذلك من متع هذه الحياة الزائلة، ولا سيما في مثل هذا العصر الذي تكالب فيه أهل الباطل على أهل الحق وذل فيه - وإلى الله مشتكانا - المؤمنون، وانتهكت الحرمات وارتكبت المحرمات وجهر أصحاب الفواحش بها ولم يستح أهل المنكرات منها واستخفى أهل الحق وخافوا وقلوا وذلوا وضعفوا واتهمهم الناس بما هم منهم براء، وتداعت الأمم علينا - أو كادت - كما تتداعى الأكلة على قصعتها، والله المستعان وهو الملجأ والملاذ.