الصفحة 126 من 131

ليس لأن هؤلاء قد أنكروا ذلك فحسب (لا ينكرون في العادة ما يفعلون) ، ولا لأن المدينة كانت بأيديهم شهورًا طويلة ولم يمسوا المكان المستهدف، بل أيضًا لأن ثمة آخرين لهم مصلحة واضحة، بل راجحة فيما جرى، وعلى رأسهم المحتلون. مع ذلك، وحتى لو اعتقدنا أن ثمة فئة تكفيرية من بين العرب السنة قد استهدفت المقام، فهل يعقل أن يأتي الرد بالاعتداء على المساجد، وحتى تدنيس المصاحف ذاتها، فضلًا عن القتل الأعمى للناس في الشوارع؟ هل يعقل أن يعاقب العرب السنة على ذنب فئة محدودة، ثم هل يختلف ذلك عن القول باستباحة دماء الشيعة لأن قوات بدر أو مغاوير الداخلية يقتلون العرب السنة وأئمتهم ورموزهم؟ لقد قلنا وسنظل نقول إن أتباع المذاهب السنية، باستثناء قلة يتشددون حتى مع المخالفين من السنة، لا يكفرون الشيعة، وهو ما يبدو مختلفًا في الحالة الشيعية، إذ يميل الخطاب العام إلى استمرار الحشد المذهبي على نحو لا ينطوي على تكفير واضح فحسب، بل على استنفار واسع للثارات التاريخية كما لو أنها وقعت بالأمس وليس قبل قرون طويلة. والنتيجة هي أن السنة سيظلون عنوانًا أبديًا ليزيد القاتل ما بقي دم الحسين طازجًا على هذا النحو، مع أننا إزاء جريمة لا يتذكرها مسلم على وجه الأرض إلا شعر بالمرارة والقهر. ثمة حاجة لتحكيم العقل، وليس من المنطق أن ينسخ بعض أخوتنا الشيعة أكثر من مليار مسلم سني من حساباتهم ثأرًا لدم الحسين من دون أن يكون لهم ذنب فيما جرى، والأسوأ أن يحدث ذلك في وقت لا يفرق العدو في حربه بين إيران الشيعية وبين سواها من حواضر الأمة، أو بين حزب الله الشيعي وبين حماس السنية. إننا لا نطالب أحدًا بالتنازل عن معتقداته، مع أن المراجعة تبقى مطلوبة من الجميع، ولاسيما أن استمرار تحميل السنة وزر دم الحسين، أو حتى ذنب أبي بكر وعمر بدعوى سرقتهما لحق علي في الخلافة، لن يكون صائبًا، ولا بد من العودة إلى أصول الدين التي استقرت قبل ذلك كله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت