، فأتيتُه وَهُوَ في أصحابِه فَسَارَرْتُهُ، فَشَقَّ ذلك على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وتغيَّرَ وجهُهُ وغَضِبَ، حتَّى وَدِدَتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أخبَرْتُه، ثُمَّ قالَ: قَدْ أُوذِيَ موسى بأكثرَ مِنْ ذلكَ فَصَبَرَ) [1] .
ثُمَّ إنَّ من شَرْطِ توليةِ القاضي للقضاءِ: العدالةَ باتفاقِ الأئمةِ [2] , ومِن المعلومِ: أنَّ حكمَ القاضي في الحضانةِ للأمِّ - كما مثَّلَ على ذلكَ أحدُهم - لا يعمُّ جميعَ الأمهاتِ، وحكمُ القاضي ينفذُ ظاهرًا لا باطنًا، وهو عرضةٌ للخطأِ، دائرٌ بينَ الأجرِ والأجرَيْنِ [3] .
وفي مثلِ ذلكَ قال عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنه قولَتَه الْمشهورةَ: (تِلْكَ على ما قَضَيْنَا، وهذه على ما نَقْضِي) [4] .
فلا تثريبَ على القاضي في الحكمِ في هذه القضيةِ بكذا، وعلى مثلِها بكذا مُبيِّنًا وَجْهَ عُدولِهِ عن حكمهِ الأولِ.
وأيضًا: فقدْ يتَوَفَّرُ في هذه القضيةِ مِنَ الوجوهِ والدَّلائلِ ما يكونُ حكمُها على خلافِ تلكَ القضيةِ التي يُظَنُّ مُشابَهتُها بها من كلِّ وجهٍ، ولا يَعرِفُ ذلك إلاَّ مَنْ تذوَّقَ القضاءَ، وترَوَّى بمعرفةِ ملابساتِ الخصوماتِ.
ومِن هذهِ الْمُبَرِّرَاتِ:
(1) رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى ح5749 بابُ الصبر في الأذى , والإمام مسلم رحمه الله تعالى ح1062 بابُ إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبُّر مَنْ قَوِيَ إيمانُه.
(2) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ج28/ 388.
(3) روى البخاري ح6920 باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ , ومسلم ح1716 باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ , عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أنه سمعَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا حكمَ الحاكمُ فاجتهد ثُمَّ أصابَ فله أجران , وإذا حكم فاجتهد ثُمَّ أخطأ فله أجر) .
(4) انظر: سنن البيهيقي ج10/ 120 باب من اجتهد من الحكام ثُمَّ تغيَّر اجتهاده أو اجتهاد غيره فيما يسوغ فيه الاجتهاد لَمْ يرد ما قضى به , والمصنف لعبد الرزاق ح19005 كتاب الفرائض، والمغني لابن قدامة ج9/ 57.