15 -التقنينُ فيه تَضييقٌ على المسلمينَ بحَملِهم على قولٍ واحدٍ بصفةٍ مستديمةٍ [1] .
فتبيَّنَ لنا مِمَّا مضى:
أنَّ تقنينَ الشريعةِ والذي يُريدُ به مَنْ دَعَا إليه - مَعَ إحسانِ الظنِّ به - درءَ مَفْسَدَةِ اختلافِ القضاةِ؟ يَستلزمُ مفاسدَ أعظمَ من ذلك: فهو خُطوةٌ إلى الانتقالِ عن الشريعةِ الإسلاميةِ إلى الأنظِمةِ الوضعيةِ [2] , ولعلَّ مَنْ دَعَا إليه يجهلُ ذلك , أوْ يَتجاهَلُه.
فدعوةُ الداعينَ للتَّقنينِ - هدانا الله وإيَّاهم: ممتنعةٌ شرعًا وواقِعًا، فموقعُ دعوتِهم مِنْ أحكامِ التكليفِ حَسَبَ الدلائلِ والوجوهِ الشرعيةِ أنه: مُحَرَّمٌ شرعًا، لا يجوزُ الإلزامُ به، ولا الالتزامُ به.
(1) قال العلامةُ الشيخُ بكر أبو زيد - وفقه الله تعالى: (لقد أفاض الإمامُ ابن القيم رحمه الله تعالى في الرَّدِّ على الْمُقلِّدة من واحدٍ وثمانين وجهًا في نحو تسعين صحيفة من كتاب: إعلام الموقعين ج2/ 189 - 260 وهي بجملتها تنسحب على مطلب إقامة الأدلة على المنع من إلزام القاضي بمذهب مُعيَّن أو قولٍ مُقنَّنٍ) فقه النوازل ج1/ 71.
(2) قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله:(وإيضاح ذلك: أنَّ النظام الوضعي تتركب حقيقته من شيئين: أحدهما: صورته التي هي شكله وهيئته في ترتيب موادِّه والحرص على تقريب معانيها وضبطها بالأرقام.
والثانية: حقيقة روحه التي هي مشابكة لذلك الهيكل والصورة كمشابكة الروح للبدن , وتلك الروح هي حكم الطاغوت , فصار التدوين مشتملًا على أحدهما والواحد نصف الاثنين , ومما يُظن ظنًا قويًا ويُخشى خشية شديدة أنَّ وضع شكل وصورة النظام الوضعي بالتدوين وضع حجر أساس لنفتح روح هذا الهيكل الأصلية فيه , ولا شكَّ أنَّ الظروف الراهنة ومخايل الظروف الْمُستَقبلَة تُؤكد أنَّ تيارات الإلحاد الجارفة في أقطار المعمورة الناظرة إلى الإسلام بعين الحطِّ والإزدراء يغلب على الظنِّ ويُخاف خوفًا شديدًا أنها بقوة مغناطيسها الجذَّابة التي جذبت غير هذه البلاد من الأقطار من نظامها الإسلامي التي توارثته عشرات القرون إلى النظام الوضعي الذي شَرَعه الشيطان على ألسنة أوليائه , ستجذب هذه البلاد يومًا ما إلى ما جذبت إليه غيرها من الأقطار التي فيها مئات العلماء كمصر , لضعف الوازع الديني في الأغلبية الساحقة من شباب المسلمين , وكون الثقافة المعاصرة من أعظم الأسباب للانتقال إلى القوانين الوضعية , فجميع الملابسات العالمية مُعينة على الشرِّ المحذور إلا ما شاء الله , ولا سيما إنْ كانت هيئة كبار العلماء قد يُقال أنها ابتدأت وضع الحجر الأساسي لذلك بالرضا بالانتقال عمَّا توارثته الأمة جيلًا بعد جيل إلى وضع نظام شرعي ديني في مسلاخ نظام وضعي بشري شيطاني , وليس هذا من الأمور الدنيوية البحتة التي تُؤخذ عن الكفار , لأنه أمرٌ قد يُقال: إنه ذريعةٌ إلى أعظم فساد ديني)فقه النوازل ج1/ 95 - 96.