فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 105

والشاهد التاريخي قائم على أن فترات التألق والإنجاز كانت مترافقة مع الالتزام بشريعة هذا الدين والإيمان بعقيدته التوحيدية والانتماء إلى الأمة المسلمة، وأن الإشكالية الثقافية والحضارية اليوم بالنسبة لعالم المسلمين هي في محاولات دراسة الواقع الإسلامي وما لحق به من إصاباتٍ في ضوء أصول وقيم ومسيرة تاريخية حضارية غريبة عنه، أو بتعبير آخر عن هذا الخلل: قياس واقع مجتمع بأصول وقيم حضارة مجتمع آخر، علمًا بأن الفعل الاجتماعي لا يتكرر، ذلك أن القطيعة الثقافية والتاريخية مع معرفة الوحي، وعدم القدرة على تجريد القيم الإسلامية من قيد التاريخ والجغرافيا، أو من قيد الزمان والمكان، وتوليدها في كل زمان ومكان، هي الإشكالية الحقيقية، وهي سبب المعاناة.

ولعل الفقه الحقيقي هو في امتلاك القدرة على تحقيق المناط -بالمصطلح الفقهي- أو القدرة على تجريد النص من قيد الزمان والمكان، والاجتهاد في تنزيله على واقع الناس، ومعالجته لمشكلاتهم، واستشرافه لمستقبلهم، فقد باتت قولة الإمام مالك رحمه الله المبكرة: (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها) ، بعد رحلة التجربة المرة، تكاد تكون مسلمة حضارية.

لكن يبقى السؤال الكبير، الذي ما يزال مطروحًا على مدارس الإصلاح ومناهج المصلحين: لماذا تراجعنا ? وكيف نحقق النهوض ونتحقق بالوراثة الحضارية ? ذلك أننا جميعًا أصبحنا نعبر عن قناعتنا من على منابر متعددة أن الإشكالية هي في الانسلاخ عن الإسلام، فلماذا كان الانسلاخ ? وكيف نضع منهج العودة، ونترسم سبيل الخروج أو الإخراج من جديد؟

أما أن سبب التراجع والسقوط هو في الانسلاخ عن القيم الإسلامية، وأن سبيل الخروج هو في العودة إلى الالتزام بالإسلام، فهو شعار ما يزال يتولى طرحه الخطباء والوعاظ من على منابرهم، فإذا نزلوا عن المنابر عاد كثير منهم مع الأمة إلى مألوفهم ومعروفهم، وكأنهم بطرح هذا الشعار خرجوا من عهدة التكليف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت