أما بيان كيفية العودة للالتزام بقيم الدين ورسم الطريق، ووضع المنهج، والاجتهاد في فهم الواقع واستطاعاته، وتحديد موقعه بدقة من مسيرة النبوة وقيام المجتمع الأول المشهود له بالخيرية، والتعرف إلى الأسباب والسنن التي كانت تحكمه، والتبصر بآلية السقوط والنهوض، والاجتهاد في محل تنزيل النص، ومدى توفر الإمكانية المطلوبة لتنزيله وحصول التكليف به، والنظر في المقاصد والمآلات والعواقب والتداعيات لتحقيق الخير في الحاضر، وحسن العاقبة في المستقبل، استجابة لقوله تعالى: (ذلك خير وأحسن تأويلا ً) (النساء:59) ، فيبقى مهمة الفقهاء الخبراء والمفكرين والمستبصرين المتمكنين من معارف الوحي ومدارك العقل.
ولعل في بعض الآثار الواردة عن حال تخلف الأمة عندما يكثر الخطباء ويقل الفقهاء، يفسر الكثير من الحال التي نحن عليها اليوم .. فلا أعتقد أن أية أمة تمتلك من المنابر والمحاريب والجمهور المتلقي عن طواعية واختيار، والذي يمكن اعتباره من أعلى درجات الإمكان الحضاري، ما تمتلكه الأمة المسلمة .. لكن تبقى النتائج محزنة، وما ذلك -في رأينا- إلا بسبب غياب الفقهاء والحكماء والمفكرين والباحثين الدارسين القادرين على تحديد مواطن الخلل، ومن ثم وضع منهج الخروج، في ضوء النصوص المعصومة من معارف الوحي.
فالخطيب قد يلهب المشاعر ويثير الحماس ويهيئ الأمة، وذلك قد يكون مطلوبًا في بعض الحالات للتعبئة، لكن الفقيه هو الذي يقوم بدور المعلم الذي يربي العقل ويبصر بالطريق، ويضع الأوعية الشرعية لحركة الأمة، في ضوء الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة، ويمتلك دقة النظر في محل تنزيل النص على الواقع.