نص الفقهاء على أن طلب العلم الشرعي بما فيه الفقه، وتحصيل الملكة فيه، فرض كفاية إلا فيما يتعين طلبه، مثل ما هو مطلوب من المسلم لأداء ما وجب عليه: كتعلم صفة الوضوء والصلاة والصوم، وأحكام الزكاة إذا كان يملك مالًا، وأحكام المعاملات إذا كان تاجرًا، فإن تعلم هذه الأحكام يكون فرض عين، أما ما عدا ذلك من التخصص في الفقه وتكوين الملكة فيه فهو فرض كفاية، إذا قام به البعض الذي يسد حاجة المجتمع من قضاة ومفتين ومدرسين ومجتهدين، سقط الإثم عن أفراد المجتمع، وإلا لحق الإثم الجميع.. فقد ذكر ابن عابدين أن تعلم الفقه مما زاد على ما يحتاج إليه في دينه فرض كفاية (1) . وقال ابن رشد: (طلب العلم والتفقه في الدين من فروض الكفاية كالجهاد) (2) .. وقال الخطيب الشربيني: (ومن فروض الكفايات القيام بعلوم الشرع: كتفسير وحديث والفروع الفقهية الزائدة على ما لا بد منه) (3) .. وقال ابن تيمية: (طلب العلم الشرعي فرض على الكفاية إلا فيما يتعين، مثل طلب كل واحد علم ما أمره الله به ونهاه عنه، فإن هذا فرض على الأعيان) (4) .
ومما يدل على اعتبار تكوين الملكة الفقهية فرض كفاية، الأدلة التالية:
1-قال تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) (التوبة:122) .
الآية تدل على وجوب تعميم التفقه في الدين والاستعداد لتعليمه في مواطن الإقامة، وتفقيه الناس فيه على الوجه الذي يصلح به حالهم، ويكونون به هداة لغيرهم.. وأن المتخصصين لهذا الفقه بهذه النية لا يقلون في الدرجة عند الله عن المجاهدين بالمال والنفس لإعلاء كلمة الله والدفاع عن الملة والأمة، بل هم أفضل منهم في غير الحال التي يكون فيها الدفاع فرضًا عينيًا (5) .
2-وقال تعالى: (ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) (النساء:83) .