الصفحة 6 من 28

وعلى كلِّ حال فاليهود خصوصًا، والنصارى كذلك يتحركون بالأساطير إلى عالم الحقيقة، ويسعون لجعل مثل هذه الأساطير واقعًا ملموسًا، ويؤسسون الجمعيات والمؤسسات لهذا الغرض، ويحققون أساطيرهم وما زعموا من تنبؤاتهم في أكثر الأحيان، فيزيدهم تحققها في عالم الواقع إيمانًا وافتتانًا بها، والحق أنها ما تحققت إلا بسبب ضعف المسلمين وتفريطهم لا بسبب كونها حقًّا من عند الله . وحين يقوم لله رجالٌ مؤمنون بوعده، غير متأثرين بما تبثه يهود من شائعات مبنيِّة على أساطير من الخليط المشار إليه آنفًا، بل ينطلقون في المواجهة المادية والفكرية من وعد الله في كتابه العهد الأخير -كما سمَّاه شيخ الإسلام- (1) وهو هذا القرآن، عندها يرجع اليهود إلى وضعهم الطبيعي وهو الذلة والمسكنة { ضُرِبَت عَلَيهِمُ الذلةُ أَينَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبلٍ من اللهِ وَحَبلٍ منَ الناسِ وَبَاءوا بِغَضَبٍ منَ اللهِ وَضُرِبَت عَلَيهِمُ المَسكَنَةُ } [ آل عمران: 112 ] . وعندها يتبين للناس أن تلك النبوءات والأساطير التي استخدموها في حرب الشائعات والحروب النفسية قبيل الحروب العسكرية (2)

(1) في كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح.

(2) من أمثلة ذلك:ما صنعوه في الحرب العالمية الثانية حيث بثوا في جنود هتلر بعض ما نسبوه إلى المنجم (نوسترا داموس) من أنه تنبأ بهزيمة جيش هتلر ، فكان هذا من أسباب الاستجابة النفسية في نفوس الجنود الذين شُحنوا مسبقًا بتنبؤات هذا المنجم فكانت الهزيمة في النفوس قبل الميدان، »وكان هتلر يعتمد على أحد العرافين، وكانت وزارة الدعاية تستخدم أحد الذين يقرءون الطالع ويكتبونه وينشرونه في الصحف وفي النشرات الدعائية، وبدأت الطائرات الألمانية تلقي بنبوءات (نوسترا داموس) في كل الأراضي التي هاجمتها ألمانيا.

وفي وثائق حرب بريطانيا مع ألمانيا تكلفت الحكومة البريطانية ربع مليون جنيه لتقاوم نبوءات (نوسترا داموس) بنشر نبوءات مضادة لنفس الرجل ولآخرين من علماء التنجيم وقراء الكف وضاربي الودع وفاتحي المندل، وكل ذلك ثابت في سجلات الحرب البريطانية… والعجيب أن كتاب نبوءات (نوسترا داموس) تصدره المطابع اليهودية في أوقات معروفة، فقبل الحرب تبيعه على جانبي المحاربين. فمثلًا قبل حرب 1948م انتشر هذا الكتاب في العالم العربي، وظهرت فقرات منه مترجمة في الصحف البريطانية والفرنسية… وقبل النكسة نشرت الصحف الإسرائيلية مع الحفاوة الشديدة فقرات تؤكد انتصار اليهود وهزيمة العرب، وفي عام 1973م أعيد نشر النبوءات« (لعنة الفراعنة91-93) .

وفي حرب الخليج الثانية كثر حديثهم عن هرمجدون ، وحاول بعضهم أن يطبقها عليها ووجد صدى عند بعض الكتاب المسلمين . =

=إن كثيرًا من الانتصارات التي حققوها في أرض المعارك سبقها رفع الروح المعنوية عند الجنود فيدخل أحدهم المعركة وهو واثق بالنصر، كما أُشبع بذلك بوحي نبوءات (داموس) أو أحد العهدين أو رؤى دانيال ونحوها، وربما يدخل وهو منهزم محطم الروح واثق بالهزيمة من وحي ما أشبع وأشيع من أساطير تنبأت بهزيمته في تلك المعركة، ومن هنا تأتي أهمية دراسة وسائل الحرب النفسية والشائعات والتأثير في الرأي العام وتوجيهها واستثماره لصالح المسلمين .

ومعلوم اليمين القاطعة التي أقسمها ابن تيمية على أن النصر سيكون حليفهم ضد التتار في هذه المرة، قيل له: قل إن شاء الله، قال: أقولها تحقيقًا لاتعليقًا، فلما أكثروا عليه قال: كتب الله في اللوح المحفوظ أننا سننتصر عليهم هذه المرة، فارتفعت روح الجنود المعنوية، فهزموهم وحطموا أسطورة (التتار جيش لا يغلب) بعد أن استحكمت في نفوس الناس وعقائدهم . ذكر ذلك ابن القيم في منزلة الفراسة من المدارج .

ومعلوم أيضًا قول خالد بن الوليد في اليرموك لمن قال: ما أكثر الروم وأقل المسلمين، قال له: كذبت ما أقل الروم وأكثر المسلمين، إنما تنصر الجنود بالإيمان وتهزم بالخذلان، وقبل ذلك كله معلو م قوله - صلى الله عليه وسلم -:»من قال هلك الناس فهو أهلكهم« بضم الكاف وفتحها على القولين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت