ويروى أن كاتب الفضل بن ربيع سأل أبا عبيدة معمر بن المثنى عن قوله تعالى:"طلعها كأنه رؤوس الشياطين" (الصافات/ 65) وقال: إنما يقع الوعد والإيعاد بما عرف مثله، وهذا لم يعرف، فقال له أبو عبيدة:"إنما كلم الله تعالى- العرب على قدر كلامهم، أما سمعت قول امرئ القيس:"
أيقتلنى والمشرفى مضاجعى ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط، ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم، أو عدوا به، فاستحسن الفضل ذلك، واستحسنه السائل" (6: 119) "
وفى تحليل المثل- التشبيه- في قوله تعالى:"مثلهم كمثل الذى استوقد نارا" (البقرة/ من الآية 17) ظاهرة استوقفت الفراء. هى أن المشبه جمع، في حين أن المشبه به مفرد، فكيف يمكن أن يقع التشبيه على ذلك؟ ويدفعه هذا التساؤل إلى تحليل لوجه الشبه"فإنما ضرب المثل- والله أعلم- للفعل لا للأعيان، وإنما هو مثل للنفاق، فقال مثلهم كمثل الذى استوقد نارا، ولم يقل الذين استوقدوا. وهو كما قال الله"تدور أعينهم كالذى يغشى عليه من الموت" (الأحزاب/ من الآية 19) وقوله:"ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة" (لقمان/ 28) ، فالمعنى- والله أعلم- إلا كبعث نفس واحدة، ولو كان التشبيه للرجال لكان مجموعا كما قال"كأنهم خشب مسندة" (المنافقون/ من الآية 4) وقال:"كأنهم أعجاز نخل خاوية" (الحاقة/ من الآية 7) فكان مجموعا إذا أراد تشبيه أعيان الرجال، فأجز الكلام على هذا، وإن جاءك تشبيه جمع الرجال موحدا في شعر فأجزه، وإن جاءك التشبيه للواحد مجموعا في شعر فهو أيضا يراد به الفعل فأجزه" (8: 15)
كما يوجد نوع آخر من المجاز، يكون في دلالة الصيغة الصرفية فالفراء يحدد وظيفة للانتقال بالصيغة عما وضعت له من دلالتها الصرفية إلى دلالة أخرى، فصيغة"فاعل"تدل على اسم الفاعل، ولكنها قد يتجوز بها فتدل على اسم المفعول.
ففى قوله تعالى:"فى عيشة راضية" (الحاقة/ 21) فيقول:"فيها الرضاء، والعرب تقول: هذا ليل نائم، وسر كاتم، وماء دافق، فيجعلونه فاعلا، وهو مفعول في الأصل، وذلك أنهم يريدون وجه المدح والذم، فيقولون ذلك لا على بناء الفعل، ولو كان فعلا مصرحا لم يقل ذلك فيه، لأنه لا يجوز أن تقول للضارب: مضروب، ولا للمضروب: ضارب، لأنه لا مدح فيه، ولا ذم. (9: 182) "
ومن المجاز أسلوب"التشخيص"وهو إطلاق صفات إنسانية على الحيوان، والجماد، غير أن ما يلفت نظر أبى عبيدة إلى هذا الأسلوب هو استخدام ضمائر العاقل بدلا من ضمائر غير العاقل، ومن ذلك قوله تعالى:"قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم" (النمل/ من الآية 18) يقول:"هذا من الحيوان الذى خرج مخرج الآدميين، والعرب قد تفعل ذلك. قال:"
شربت إذا ما الديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا
ويقول في قوله تعالى:"قالتا أتينا طائعين" (فصلت/ من الآية 11) هذا مجاز الموات الذى يشبه تقدير فعله بفعل الآدميين"وهى نفس النظرة التى ينظر بها إلى الآيات"وكل في فلك يسبحون" (يس/ من الآية 40) و"كل يجرى لأجل مسمى" (الرعد/من الآية 2) (4: 196، 162، 153) "
وليس عنا ببعيد معركة رواية وليمة لأعشاب البحر للروائى السورى حيدر حيدر التى صدرت طبعتها الجديدة عن هيئة قصور الثقافة التابعة لوزارة الثقافة المصرية، ونظرا للضجة التى أثارتها الرواية، فقد شكل وزير الثقافة لجنة فنية من رجال الدين والأدب اجتمعت وناقشت الرواية في غيبة أحد أعضائها، وهو رئيس جامعة الأزهر العريقة، الذى انسحب من اللجنة أو تخلف عن حضور اجتماعاتها، وبعد أن ناقشت اللجنة رواية الأديب السورى أصدرت بيانا، دافعت فيه عنها، تأسيسا على مبدأين: أولا حرية التعبير التى يتمتع بها، ويجب أن يتمتع بها الأديب،