الصفحة 5 من 40

"التشبيه"أن مادة"شبه"فى القرآن لا تأتى إلا بمعنى الاشتباه، والاختلاط، والتداخل وعدم القدرة على التمييز"شبه الشئ تشبيها أشكل وشبه عليه، خلط عليه الأمر حتى اشتبه بغيره، وشبه عليه الأمر: لبس عليه"والمعنى واضح في المشتقات الأخرى للمادة أنه هو الاختلاط، وذلك فى"تشابه"و"مشتبه"و"متشابه".

ولم يرد لفظ"الكناية"فى القرآن، وإن وردت المادة في معنى الإخفاء، والستر وترد في معنى"الكناية"أو قريبا منها"التعريض"وهى خلاف التصريح وهو"ما توسع في دلالته فصار له وجهان ظاهر وباطن"وذلك في قوله تعالى:"فيما عرضتم به من خطبة النساء" (البقرة/ 235) . (2: 21)

وقد وردت مادة"جوز"بمعنى القطع والعبور، وهذا المعنى ليس بعيدا عن المفهوم المتأخر لكلمة"مجاز"على أساس أن المجاز هو تجاوز المعنى الحقيقى للعبارة إلى معنى آخر يتعلق بها.

أما مادة"عير"الأصل الاشتقاقى لمصطلح"الاستعارة"فلم ترد في القرآن، ولذلك كان من الطبيعى أن يكون هذا المصطلح أكثر المصطلحات الأدبية تأخرا في الظهور، وعلى العكس من ذلك كان مصطلح"المثل"مع ما يشتق منه كالتمثيل هو أكثر المصطلحات ظهورا وذلك بحكم كثرة دورانه في القرآن ودلالته على معنى"التشبيه"وكان مصطلح"الكناية"أقل ظهورا من مصطلح"المثل"لقلة وروده في القرآن من جانب، ولعدم وضوح دلالته المجازية من جانب آخر.

ومن الضروري الإشارة إلى ما أثارته بعض محتويات الصور التعبيرية- التى عبر عنها بالمثل- من الجدل والاستنكار- وقد عبر القرآن نفسه عن هذا الاعتراض بقوله تعالى:"إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها، فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم، وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا، يضل به كثيرا، ويهدى به كثيرا، وما يضل به إلا الفاسقين" (البقرة/26) (7: جـ1، 398)

ولم تكن اجتهادات ابن عباس في تفسير النص بعيدة عن جو التأويل، والجدل الدينى الذى بدأ بانشقاق الخوارج على علي بن أبى طالب نتيجة لرفضهم مبدأ التحكيم- وكان ابن عباس- فيما يقال- هو رسول علي بن أبى طالب لمجادلة الخوارج ومحاولة إقناعهم بخطأ موقفهم وصحة موقف علي. ولم يخل هذا الجدل من الاستشهاد بالقرآن من كلا الطرفين على صحة موقفه، واتساقه مع معطيات القرآن، حتى تحول النزاع- على مستوى الجدل الدينى- إلى فهم النص القرآنى نفسه والاستدلال به، وهذا كله ما جعل علي بن أبى طالب ينهى ابن عباس عن مجادلة الخوارج بالقرآن"فخاصمهم، ولا تحاجهم بالقرآن، فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة" (6: 142)

ومما يرويه الطبرى عن ابن عباس رواية مؤداها أنه لم يتقبل القراءة المشهورة للآية القرآنية"فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا" (البقرة/137) على أساس أنها تثبت مثلا لله يمكن الإيمان به"لا تقولوا فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا- فإنه ليس لله مثل- ولكن قولوا:"فإن آمنوا بالذى آمنتم به فقد اهتدوا" (7: جـ3، 114) "

ومن المحتمل أن ابن عباس كان مدفوعا إلى ذلك رغبة منه في نفى أى شبيه أو مثل لله، خصوصا مع ما ذهب إليه ابن سبأ من تأليه الأئمة والقول بالرجعة.

كما توقف كثير من المسلمين عند بعض الآيات متسائلين عن المعنى الحقيقى وراء صورتها اللفظية، فيروى الطبرى أنه"لما نزلت"وسع كرسيه السماوات والأرض" (البقرة/ 255) قال أصحاب النبى يا رسول الله، هذا الكرسى وسع السماوات والأرض، فكيف العرش؟ فأنزل الله تعالى:"وما قدروا الله حق قدره" (الزمر/ 67) إلى قوله:"سبحانه وتعالى عما يشركون" (7: جـ5، 399) وإذا كان الرسول قد سكت عن تساؤل المتسائلين، تاركا لله الرد عليهم، واستنكار هذا السؤال، فإن ابن عباس يفسر نص الآية على أن"كرسيه: علمه" (7: جـ5، 397 - 399) وهو تأويل يقربنا من جو التأويل الاعتزالى الذى ينفى مشابهة الله للبشر أو حلوله في المكان."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت