الصفحة 1 من 5

الدكتور عبدالله احمد الزيوت

الحمد لله ربِّ العالمين, أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله, أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحقِّ، وختم به النّبوة والرِّسالة وأنزل معه القرآن العظيم، وآتاه من العِلْم مثله وجعله رحمة للعالمين ومبلِّغًا لشريعته بأكمل بيان وأحسن تعليم، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الطاهرين , الذين آمنوا به وعزروه ونصروه, واتبعوا النّور الذي أنزل معه، وبعد؛

فقد شملت هدايةُ القرآن الكريم جميعَ المصالح العامة والمقاصد الكليّة التي جاء التشريع الإسلامي بحفظها ورعايتها، وشملت أيضًا النَّاس كلَّهم في كل الأمكنة، وفي كل الأزمنة، دون تمييز بين جنسٍ وآخر، أو عِرقٍ وآخر، أو لون وآخر، أو بيئة وأخرى.

ولمّا كان القرآن العظيم كتاب هداية نزل لِهداية النَّاس ـ في كل عصر ومصر ـ للحقَّ، وإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وتبصيرهم بسبل الوقاية والنّجاة من الشرور والآثام، وكان النَّاس متباينين في مداركهم وأفهامهم، مختلفين باختلاف بيئاتهم واستعداداتهم ... كان من الحكمة أن تتنوع أساليب القرآن الكريم وأن تعدد طرقه؛ من أجل أن تلائم أحوال النَّاس على اختلاف بيئاتهم وقيمهم وعاداتهم، وما طُبعت عليه نفوسهم من تباينٍ في التكوين والاستعداد، أو في الثقافة والتفكير، ومن أجل أن يُحقّقَ مقاصدَه المتنوعة، وأهمها، وعلى قِمّتِها توحيد الله تعالى والإخلاص في عبادته وحده من غير شرك ولا نفاق.

وقد أشار الطاهر بن عاشور إلى هذا المعنى بقوله:"جاء القرآن الكريم بأسلوب من الإرشاد قويم ذي أفنان لا يحول دونه ودون الولوج إلى العقول حَائل، ولا يغادر مسلكًا إلى ناحية من نواحي الأخلاق والطبائع إلا سلكهُ إليها تحريضًا أو تحذيرًا، بحيث لا يعدم المتدبر في معانيه اجتناء ثمار أفنانه" [1] .

وقد نبَّه سبحانه وتعالى إلى هذا التنوّع في كتابه الكريم في غير ما آية فيه، فقال تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (41) } [الإسراء: 41]

(1) ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر ـ تونس، 1984م، 15/ 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت