الصفحة 5 من 5

ومنها: التنبيه على دليل من دلائل إعجاز القرآن الكريم، وأنَّه منزَّل من عند الله تعالى، إذ إنَّ تنويع الآيات، وعرضها بأساليب متعددة، وطرق مختلفة ـ كلّها في البلاغة سواء ـ أشدّ تعجيزًا لمن يحاول معارضته عن أن يأتي بمثله، ولا ريب أنَّ ذلك التنويعَ لا يَرِدُ بتلك الصورة في كلام البشر.

ولعلّ مما تحسن الإشارة إليه هنا أنَّ الرماني عدّ التصريف بابًا من أبواب بلاغة القرآن الكريم، وقسمه إلى قسمين: تصريف اللفظ، وتصريف المعنى، ومثَّل لهذا بالقصص القرآني التي ذُكرت في أكثر من سورة، لِحكَم متعددة، منها: التصرف في البلاغة من غير نقصان عن أعلى مرتبة، وتمكين العبرة والموعظة [1] .

ومنها على سبيل الإجمال: تقرير الحجج والدلائل، والمبالغة في ترسيخ الأحكام والتكاليف، وشرح الصدور، وتثبيت النفوس وتسليتها، وتجديد نشاطها، ودفع السآمة والمَلَل عنها، وتقريب المعنى إلى الأفهام بما يُعينُ على قبوله والعمل بمضمونه؛ ذلكم أن طبع الإنسان جُبِلَ على الملال، فكلما انتقل من أسلوب إلى أسلوب انشرح صدره، وتجدد نشاطه وتكامل ذوقه ولذته، ويصير أقرب إلى فهم معناه والعمل بمقتضاه.

وهكذا تتنوّع الآيات وتُعرَض بأساليب متعددة، وطرق مختلفة {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) } [ق:37] .

وقد كان التنويع في الأساليب رحمة من الله - عز وجل -، ومنّة يمنّها على النَّاس، وكان في الوقت نفسه دليلًا من دلائل إعجاز القرآن الكريم، وسرًّا من أسراره، وخاصية من خصائصه التي تميّز بها عن الكتب السَّماوية السَّابقة.

ومن خلال تنوع أساليب القرآن الكريم نُدرك أهمية تنويع الأساليب الدعوية؛ فعلى الدعاة إلى الله تعالى أن يسلكوا في دعوتهم أساليب متعددة، يُراعوا من خلالها أحوال المدعوين، في منازلهم وطباعهم، وقربهم وبعدهم عن الخير، فما يناسب شخصًا لا يُناسب آخر، وما يتقبله شخص قد يرفضه آخر، ولهم في أساليب القرآن الكريم وتنوعها أمثلة بالغة الحكمة، وعليهم أن يتأسوا بإمام الدعاة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد تنوعت أساليبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الدعوة إلى الله تعالى، واستخدم كل الوسائل المشروعة المتاحة في عصره، وقد قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]

(1) انظر: الرماني، (النكت في إعجاز القرآن) ضمن"ثلاث رسائل في الإعجاز"، ط2، 1968م، دار المعارف - مصر، 101 - 102.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت