الصفحة 4 من 5

وقد بيَّنت الآية الكريمة أنَّ من حِكَم إنزال القرآن الكريم بلسان عربي، وتصريف الله - جل جلاله - فيه من أنواع الوعيد أن يتّقيَ النَّاسُ ربَّهم - جل جلاله - فيتركوا الكفر والفسق والمعاصي، أو يُحدِثَ لهم هذا الكتاب العزيز موعظة وتذكرًا، يهديهم إلى الحق، فيعملون من صالح الأعمال ما ينفعهم في العاجل والآجل.

وأخبر الله تعالى أنّه صرّف في هذا القرآن للناس أنواعًا كثيرة من الأمثال، فقال تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} [الإسراء: 89] وتصريف الأمثال يعني ردها وتنويعها، وتحويلها من أسلوب إلى آخر، وعرضها بصور متباينة، تناسب شتى العقول، وشتى الأجيال والأطوار؛ ليتعظوا بها فيؤمنوا بالله تعالى، وتنبيهًا لهم على الحقِّ لهتدوا إليه ويعملوا به، ويبتعدوا عن الكفر والمعاصي متى اعملوا عقولهم لتدبرها وفهمها، ولكنَّ أكثلا الناس عطلوا ــ التي ميزهم الله بها ــ عن فهم أمثال القرآن العظيم وتدبرها، ورفضوا الإذعان لأمر الواحد الديّان ـ جل في علاه ـ وازدادوا نفورًا عن الحقِّ الواضح لهم وضوح الشمس في رابعة النهار .. بل كانوا اكثر المخلوقات خصومة وجدلًا.!

وفي ضوء ما تقدم فقد بان أنَّ أساليب القرآن العظيم متنوّعة، وطرائقه مختلفة، وأنَّها تستوعب جميع النَّاس على اختلاف قيمهم وعاداتهم، وتباين طبائعهم، وأفهامهم، وثقافاتهم، وتراعي طبيعة النفس البشرية المجبولةَ على محبّة ما فيه نفعها ومصلحتها، وكُره ما يضرها ويؤذيها، بحيث تقطع الأعذار، ولا يبقى معها لأحد عصى الله تعالى وخالف أمره حُجَّةً عند ربه عز وجل، وتكون لله تعالى الحُجَّةُ البَالِغَةُ.

وهذا التنويع والتغاير في الأساليب منهج مقصود، له حِكَمٌ وأسرارٌ، وله أهداف يرمي إليها؛ أولها وأهمها تحقيق الغاية التي خلق الله تعالى الخلق لها، وهي عبادته جل جلاله وحده لا شريك له، كما قال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } [الذاريات:56]

وهذه العبادة ليست محصورة في أركان الإسلام كالصلاة والصوم مثلًا، وإنَّما"تشمل كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة [1] "، كما قال تعالى على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) } [الأنعام:162 - 163] .

(1) ابن تيمية، رسالة في العبودية، دار البشير، عمّان، 1992، ص31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت