ودبور وجنوب وشمال، وتصريف الأفعال من الماضي، والمستقبل، والأمر، والنهى، ونحوها [1] .
ولعلّ ما ذكره الثعلبي ينسجم مع حذف مفعول {صَرَّفْنَا} ، والذي يعمّ ما ذُكِر، ويشمل أنواعًا أخرى لم يذكرها، كالمواعظ، والأحكام، والحجج والبراهين، والاقتناعات، وتنويع طرق الترغيب والترهيب والتربية، والتي عُرِضَت بأساليب متنوّعة، وطرق مختلفة، تناسب اختلاف طبائع الناس، ومستويات قُدْراتِ الفهم لديهم، وبحسب ما لدى أصنافهم من استعدادات للاستجابة، وقدرةٍ على مخالفة أهوائهم وشهواتهم، ومخالفة المعتاد المألوف من الباطل أو الشر.
ويستوفي هذا التصريف كل الاحتمالات التي يُرجى نفعها ولو لبعض الأفراد أو الجماعات، لقطع أعذار المكلفين؛ حتى لا تكون لهم حُجَّة عند ربِّهم.
ومن الآيات التي تُنبِّه إلى هذا التنوع قوله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) } [الأنعام:46] ، وقوله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) } [الأنعام:65] ، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27) } [الأحقاف:27] .
وتصريف الآيات: تنويعها، ونقلها من أسلوب إلى أسلوب، تارة بالترغيب، وتارة بالترهيب، وتارة بالوعد، وتارة بالوعيد، وأخرى بالتذكير بالنِّعم، ومرة بالدعوة إلى التفكّر، والاعتبار بما حلَّ ببعض الأمم [2] .
وليس هذا فحسب، بل إنّ القرآن الكريم يُنوع الوعيد ويُصرِّف الإنذار على أوجه مختلفة؛ لينبَّه أهل الغفلة، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113) } [طه:113] ، فكما أنزل الله تعالى تلك الآيات المشتملة على الوعيد أنزلن القرآن كلَّه بلغة العرب؛ ليفهموه ويهتدوا به، ونوّع فيه الوعيد أنواعًا كثيرة، تارة بذكر آثار الذنوب، وتارة بذكر أحوال القيامة وأهوالها، وأخرى بذكر النَّار وما أُعدَّ لأهلها من أنواع العقاب وأصناف العذاب، إلى غير ذلك من أنواع الوعيد.
(1) الثعلبي، الكشف والبيان، ط1، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، 2002م، 6/ 101.
(2) انظر: البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، دار الفكر ـ بيروت، 1996م،2/ 409، أبو السعود، إشاد العقل السليم، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، 3/ 134، ابن عاشور، التحرير والتنوير، 7/ 235،26/ 54 - 55.