وأما ثانيًا:- فاعلم رحمنا الله وإياك أن هذا السماع والحياة المثبتة للأموات إنما هي من أمور البرزخ، وأمور البرزخ من أمور الغيب وأمور الغيب مبناها على التوقيف ولا مدخل للعقول فيها، لأنها من أمور الآخرة، فهي من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، وعقولنا ومدركاتنا أعجز وأحقر من أن تكتشف ذلك، فلا تخلط بين حياة الدنيا وحياة البرزخ ولا بين سمع الدنيا وسماع البرزخ، فإن النبي وإن كان حيًا في قبره لكن لو تجتمع الدنيا على إدراك حقيقة هذه الحياة لما استطاعوا والشهيد وإن كان حيًا في قبره ولكن لو يجتمع العالم بأسره على معرفة حقيقة هذه الحياة لما قدروا لأن ذلك من الغيب الذي أختص الله تعالى به، فالحياة المثبتة للمؤمن في قبره تختلف تمامًا عن هذه الحياة الدنيا، فهي حياة برزخية غيبية، فلا يجوز لنا أن نقول:- إن الأولياء أحياء في قبورهم الحياة الدنيوية وأنهم قادرون بعد موتهم على ما كانوا قادرين عليه في حياتهم، هذا لا يجوز أبدًا لأنه تدخل في علم الغيب، وإقحام للعقول فيما ليس لها فيه مجال ولا مدخل، وهذا مصيبة عظيمة وعاقبه وخيمة، فكما أن نعيم القبر وعذابه من الغيب الذي لا يطلع عليه أحد، فكذلك حياة الميت في قبره من الغيب الذي لا يطلع عليه، وخلاصة ذلك وجوب التفريق بين الحياة الدنيوية والحياة البرزخية، والسماع في الدنيا والسماع في البرزخ، فالحياة والسماع الدنيوي مبني على المشاهدة والحس أي هو أمر مشاهد محسوس، وأما حياة البرزخ وسماع البرزخ فهو أمر خارج عن المشاهدة وعن مدركات الحواس والعقول لأنه من الغيب ولا يسعنا مع إخبار الدليل به إلا أن نقول صلى الله عليه وسلم آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا صلى الله عليه وسلم وهذا ثانيًا.