وأما ثالثًا:- فاعلم أن الصحابة والسلف الصالح متفقون على أنه لا ينتفع الأحياء بمخاطبة الأموات، لأنهم - أي السلف الصالح - متفقون الاتفاق القطعي على أن الميت لا يستطيع أن يجلب لنفسه ولا لغيره خيرًا ولا أن يدفع شرًا ولا أن يجيب دعاءً ولا يغيث لهفة ولا يجبر كسرًا ولا يجير لائذا ولا يعيذ خائفًا وليس له مطلق التصرف، بل هم متفقون على أن الميت محتاج للأحياء أن يغسلوه ويكفنوه ويصلوا عليه ويدعون له، ويستغفرون له، وأن يتصدقوا عنه أو يحجوا عنه أو يقضوا ديونًا عنه، ونحو ذلك، وهذا اتفاق قطعي، ونحن نتحدى أن يوجد من السلف الصالح من يخالف في هذه المسألة، والأمة لا تجتمع على ضلالة أبدًا، والاتفاق المعتبر هنا هو اتفاق أهل السنة وسادات الأئمة والأمة، فلا عبرة بخلاف أهل البدع الذين لا يقفون عند منقول ولا يراعون موافقة معقول وقد تقرر في الأصول أن الإجماع حجة شرعية يجب قبولها واعتمادها والمصير إليها وتحرم مخالفتها، وبناءً عليه فقول عباد القبور في أصحاب القبور قول خارق لإجماع السلف ومناقض له، فأي الفريقين أحق بالاتباع إن كنتم تعلمون الذين ساروا على نهج الكتاب والسنة، أم الذين خالفوا الكتاب والسنة؟ لا شك أن الجواب هو الأول، فحيث كان الحق هو ما قرره السلف الصالح هنا فليس بعد الحق إلا الضلال فاستمسك بما عليه سلفك وعض عليه بالنواجذ وشد عليه بيديك وإياك ثم إياك أن تتخطفك السبل المعوجة والأهواء المرتجة فإن الخير كل الخير والنجاة كل النجاة والفوز والفلاح والبر والتقى إنما هو في اتباع السلف وملازمة سبيلهم وصراطهم المستقيم والشر كل الشر والخيبة والهلاك والخسارة إنما هي في مخالفتهم والتنكب عن هديهم وتقديم هدي الآباء والأسلاف وسلوم القبائل وعادات العشائر على هدي السلف، نعوذ بالله من ذلك ثم نعوذ بالله من ذلك ثم نعوذ بالله من ذلك.