وأما رابعًا:- فلقد قررنا لك في مواضع كثيرة أنه يجب أن يفهم الكتاب والسنة فهمًا يوافق فهم السلف, ولاسيما الصحابة صلى الله عليه وسلم , إذا آمنت بذلك وتذكرته فأقول لك:- أوليس الصحابة كانت تصيبهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم الكروب وتحل بهم العوارض من الحروب والقحط والاختلاف في بعض المسائل؟ الجواب:- بلى فبالله عليك هل ثبت عن أحدٍ منهم أنه إذا حل به شيء من ذلك جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وشكى له الحال ودعاه أن يفرج عنه كربته وأن يطيح عن قلبه ما أهمه، وأن يغيث لهفته؟ هل ثبت عن أحدٍ منهم أنه كان يفعل ذلك؟ والجواب:- لا، فإنه لم ينقل عن أحدٍ منهم لا من قريب ولا بعيد، بنقل ثابت معتمد أنه كان يفعل ذلك، بل هم متفقون على ترك ذلك، فإنهم في عهد عمر لما أصابهم القحط استسقوا بالعباس صلى الله عليه وسلم فيقول عمر صلى الله عليه وسلم:- اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، قم يا عباس فادع الله لنا أن يغيثنا، فيقوم العباس فيدعوا بالغيث فما ينزل إلا وقد أغيثوا فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم حيًا في قبره الحياة الدنيوية ولو كان يسمع سماع النفع والانتفاع لما احتاجوا للاستسقاء بالعباس صلى الله عليه وسلم مع أنه صلى الله عليه وسلم كان بينهم وقبره قريب منهم وليس بينهم وبينه إلا عدة خطوات فقط، فلما عدلوا عن ذلك إلى الاستسقاء بغيره دل ذلك على أن دعاء الأموات ليس مما فهموه من الأدلة الدالة على سماع الموتى المثبت لهم بالأدلة التي ذكرناها سابقًا وحيث لم يفهموا ذلك فنحن كذلك لا يجوز لنا أن نفهم ذلك لأن فهمنا في الأدلة من الكتاب والسنة تابع لفهمهم صلى الله عليه وسلم وأرضاهم، فإن دعوتنا وديننا مبني على ثلاثة أركان:- على الكتاب وعلى السنة وعلى فهم سلف الأمة، وبناءً عليه فإن ما فهمه أصحاب القبور مجانب المجانبة المطلقة ومباين المباينة التامة لما فهمه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ، فأي الفريقين أصح فهمًا؟ أدع الجواب لك ولكن احذر من التعصب لما عليه أهل بلدك أو لما عليه الآباء والأجداد إن كان مخالفًا لما جاء به خير العباد صلى الله عليه وسلم .