فبان بذلك أن هذا الحديث حديث ضعيف جدًا وقد حكم عليه الشيخ سليمان رحمه الله تعالى بأنه موضوع ومع ذلك فلا يحل الاحتجاج به على إثبات حكم شرعي خطير كهذا الذي يريده عباد القبور وعشاق الوثنية، لأنه قد تقرر في القواعد أن الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها الأدلة الصحيحة الصريحة، وقد أعلة بعضهم أيضًا بالانقطاع فحق هذا الحديث أن يطرح من كتب أهل العلم وأن ينبه على ضعفه فهذا الجواب الأول عن استدلال القبورية بهذا الحديث، وهو كاف وفيه مقنع لمن أراد الله هدايته، وأما الجواب الثاني فهو ما أشار إليه الشيخ سليمان رحمه الله تعالى بقوله (وعلى تقدير ثبوته لا دليل فيه لأن هذا من دعاء الحاضر قيما يقدر عليه كما قال(( فإن في الأرض لله حاضرًا سيحبسه عليكم ) )ا. هـ. وبيانه أن يقال:- إن قوله (( حاضرًا ) )يفيد أن هذا ليس من دعاء الغائب الذي بينك وبينه مسافات شاسعة، ويفيد أيضًا أنه حي لأن حضوره دليل حياته فلا يفيد ما يريده القبوريون من جواز دعاء الأموات وقوله ... (( سيحبسه عليكم ) )يفيد أن هذا المدعو قادر على فعل ذلك فهو دعاء الحي الحاضر القادر وقد قررنا فيما مضى جواز ذلك فلا يدل ولا مطلق الدلالة على دعاء الأموات، ولا يدل ولا مطلق الدلالة على دعاء الغائبين، ولا يدل ولا مطلق الدلالة على دعاء الغير فيما لا يقدر عليه إلا الرب جل وعلا، هذا مع التسليم الجدلي الافتراضي بأن الحديث ثابت، لكن كما عرفت أنه حديث ساقط ضعيف جدًا بل ما أقربه أن يكون موضوعًا كما حكاه الشيخ سليمان رحمه الله تعالى، فبان لك بذلك أن الحديث مردود سندًا لأنه ليس بصحيح ومردود دلالة لأنه ليس بصريح فيما ذهب إليه عباد القبور، وبه انكشفت هذه الشبهة التي يدندنون حولها كثيرًا ويطيلون في تسويدها الصفحات والله ربنا أعلى وأعلم.