الشبهة الثالثة عشر: شبهة الواسطة، وهذه شبهة قديمة، و القبوريون تجاه هذه الشبهة الخبيثة قد انقسموا إلى فرقتين باعتبار فهم هذه الشبهة، الفريق الأول:- القبوريون من الفلاسفة والمناطقة والمتكلمين الذين يتقعرون في الألفاظ ويتنطعون في إخراج الكلمات، والثاني:- العوام الجهال الأميون، فأما هذه الشبهة عند الفريق الأول فإنهم قالوا فيها:- إن النفوس التي فارقت أبدانها تكون أقوى تأثيرًا من هذه النفوس التي لا تزال متعلقة في أبدانها، لأن النفس إذا فارقت البدن فإنه يزول عنها الغطاء وينكشف لها عالم الغيب، فتأثير النفس بعد موت صاحبها وانفصالها عنه أقوى من تأثيرها لما كانت فيه، فإذا ذهب الحي إلى قبر صاحب هذه النفس ووقف عنده قليلًا تأثرت نفس هذا الحي بنفس هذا الميت وتعلقت بها فحصل للحي بسبب هذا التأثير علوم ومعارف لم تكن عنده من ذي قبل، كذا قال الرازي والتفتازاني وأنت تعرف أن الأول هو فيلسوف الأشعرية والثاني فيلسوف الماتريدية وتابعهم على ذلك النبهاني الضال والكوثري العاطل، ولأجل ذلك قال الرازي تفريعًا على ما سبق (وسمعت أن أصحاب أرسطا طاليس كلما أشكل عليهم بحث موضوع ذهبوا إلى قبره وبحثوا تلك المسألة فكانت المسألة تنفتح والإشكال يزول) كذا قال، ويعني بهذا الكلام فتح باب طلب الغوث والمدد والاستفتاح وحل المشاكل النازلة من أصحاب القبور لأن لهم - عنده - تأثيرًاَ قويًا في ذلك اكتسبوه بمفارقة نفوسهم لأبدانهم, وهذه الشبهة تسمى عند أهل العلم بالواسطة الفلسفية, وأما الفريق الثاني:- وهم العوام فإنهم يقررون لزوم الواسطة بشكلٍ آخر فإنهم يقولون فيها:- إننا قوم مذنبون متلوثون بأشكال الذنوب من الذنوب والمعاصي, ومن المعلوم أن مقام الربوبية والألوهية مقام رفيع الشأن جدًا, فهو مقام بعيد لا يدركه أمثالنا من أصحاب الذنوب والمعاصي فلابد من واسطة توصلنا إلى ذلك المقام وتبلغ حاجتنا إلى الرب جل وعلا, وأنت ترى بذلك أن