الخامس:- أن القبورية المعاصرة والقديمة في تثبتهم بكلمة (الواسطة) ملبسون ومدلسون حيث إنهم خلطوا الباطل بالحق فإن كون الأنبياء عليهم السلام واسطة بين الله وبين سائر الخلق هو في نفسه يحتمل حقًا وباطلًا والألفاظ المجملة التي تحتمل حقًا وباطلًا لا تقبل مطلقًا ولا ترد مطلقًا بل هو موقوفة على الاستفصال حتى يتميز حقها من باطلها فيقبل الحق ويرد الباطل، هذا مذهب أهل الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أؤلئك رفيقا، فإن أرادوا أن الأنبياء واسطة في تبليغ أوامر الله ونواهيه وبيان دينه فهذا معنىً حق وصواب فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه وما يكرهه، وماذا أمر به وماذا نهى عنه إلا بواسطة الرسل عليهم السلام فإنهم المبلغون عن الله سبحانه وتعالى وما إن إراد بالواسطة أن الأنبياء والأولياء واسطة بين العباد وبين رب العباد في جلب المنافع ودفع المضار والرزق والنصر والإغاثة وكشف الكربات وأن الناس يرجعون إليهم في ذلك ويسألونهم قضاء الحاجات وتفريج المدلهمات وينادونهم في غيابهم في الحياة وبعد الممات لجلب الخيرات ودفع الآفات فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنوب وهداية القلوب وتفريج الكربات وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين، وبه تعلم أن كلمة الواسطة صارت بحسب الاستعمال من الألفاظ المجملة التي تحتمل الحق والباطل فلابد فيها من الاستفصال قبل إنكارها أو قبولها، فالقبول والإنكار متوقف على مراد صاحبها المتلفظ بها على ضوء التفصيل السابق.