فهرس الكتاب
قال: الكفار مخاطبون بفروع الشريعة فما المقصود بفروع الشريعة؟
نقول: الاتفاق قائم في أنهم مخاطبون بالإيمان وهو من أصول الشريعة , فالخطاب بالإيمان ودعوتهم إلى الإسلام ومخاطبتهم بالإسلام هذا محل وفاق , وإنما اختلف العلماء هل هم مخاطبون بالفروع أيضًا؟ والمقصود بالفروع التكاليف , كالأمر بالصيام والصلاة والصدقة والزكاة , فاختار المصنف أنهم مخاطبون بها وهذا هو رأي الجمهور , لكن هذا الخطاب مشروط بالإسلام فهم مخاطبون بأن يصلوا بعد أن يدخلوا في الإسلام , أي هم مخاطبون بالفروع وبما لا تتم هذه الفروع إلا به.
فمذهب الجمهور أنهم مخاطبون بفروع الشريعة عموما سواءً كانت أوامر أو نواهي
وذهب فريق آخر إلى أنهم مخاطبون بالنواهي فقط, وأما الأوامر فلا.
وذهب فريق ثالث على أنهم ليسوا مأمورين ولا منهيين ولا مخاطبين بشيء من هذه الفروع.
واستدل الجمهور بقوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} .
وجه الدلالة: أن الله حكي عن الكفار أنهم يوم القيامة يعذبون فيسألون عن سبب عذابهم , فيذكرون أن من سبب العذاب أنهم ليسوا من المصلين , فمن أسباب تعذيبهم أنهم لم يصلوا في الدنيا، فقالوا هذا دليل على أنهم مخاطبون بالصلاة , والصلاة من فروع الإسلام وذلك إذا اعتبرنا أن الأصل هو الإيمان فلا شك أن الصلاة يمكن أن تسمى فرعا ً, لكن واقع الأمر أن الصلاة تعد من أركان الإسلام.
* هل هذا الخلاف له ثمرة أم لا؟
(1) ذهب فريق من العلماء: أن هذا خلاف لا يترتب عليه أثر في الدنيا , يعني أثره ليس في الدنيا وإنما أثره في الآخرة , فالقائل بأنهم مخاطبون بفروع الشريعة يقول إنهم في الآخرة يعاقبون على ترك المأمورات وفعل المنهيات عقابًا زائدًا على الكفر , والذي يقول إنهم غير مخاطبين يقول: إنه لا فرق بين من فعل ولم يفعل؛ لأنهم لو فعلوا لما قبلت منهم ولا فرق أيضًا بين من وقع في المنهيات ومن لم يقع فكلهم سيعذبون عذابا واحدا.
قالوا: وهذه الفائدة لا تتعلق بحاجة الفقيه , ولا تتعلق بالمفتي فلا حاجة لها؛ لأن مقدار الثواب ومقدار العقاب هذا مغيب عنا , ولا ينبغي أن نخوض فيه والعلماء متفقون على أنهم إذا دخلوا في الإسلام فإن الإسلام يَجُبُّ ما قبله كما قال النبي (- صلى الله عليه وسلم -) : (أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما قبله) فلا شيء عليهم ولا يلزمهم قضاء شيء مما تركوه من الواجبات ولا يؤاخذون على ما فعلوه من السيئات , فهذا أمر متفق عليه.
(2) ذهب فريق آخر من العلماء أن هذا الأصل وهذه القاعدة لها فوائد في الدنيا , وذكروا من أمثلتها أن المسلم مثلًا لو تزوج نصرانية أو كتابية , فهل له أن يلزمها بالغسل من الجنابة وهو عندنا واجب ومأمور به؟ فمن قال إن الكفار مخاطبون يقول: نعم يلزمها بالغسل من الجنابة وليس لها أن تمتنع عن ذلك , وأما من قال إنهم غير مخاطبين فقال لا يلزمها ذلك.
سؤال: إذا كان الأمر يقتضي الفورية فكيف يوجه ما ورد من أن إحدى زوجات الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) كانت تؤجل قضاء رمضان إلى شعبان؟
الجواب: أن هذا ثابت عن عائشة (رضي الله عنها) أنها قالت: (كان يكون عليّ الصيام من رمضان فلا أقضيه إلا قبيل رمضان الذي يليه وذلك لمكان رسول الله(- صلى الله عليه وسلم -) مني) لكن هذا التأخير مأذون فيه؛ لأن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) علم بذلك وأقره , فعائشة هي أقرب الناس إلى الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) وكان يعلم منها أنها تؤخر القضاء ولم ينهها عن ذلك , فهذا دليل على أن هذا مما دل الدليل على أنه على التراخي وأنه ليس على الفور , والفقهاء والعلماء خلافهم إنما هو فيما لم يوجد فيه نص أو دليل أو قرينة تدل على أنه للفور ولا للتراخي , هل يحمل على الفور أم لا؟