فهرس الكتاب
تابع الأمر والنهي
قال المصنف: (وَالأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ) .
هذه قاعدة من القواعد الأصولية المهمة التي يعمل بها الفقهاء ويبنون عليها كثيرًا من فروعهم الفقهية وهي أنهم يقولون: (إن الأمر بالشيء نهي عن ضده, والنهي عن الشيء أمر بضده) هذه القاعدة قد يفهم من ظاهرها أن الأمر هو عين النهي, ولكن ليس هو المراد، وإنما المراد أن الأمر بالشيء يقتضي ... أو يستلزم النهي عن جميع أضداد , فإذا أمر الله بشيء فإن الإنسان المأمور به يكون منهيًا عن التلبس بضده.
مثال ذلك: أُمرنا مثلًا في الصلاة بالقيام: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} ، فلا يجوز أن تصلي قاعدًا إلا لعذر , فالأصل أنه يصلي قائمًا؛ ولهذا الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) يقول: (صلِّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب) فالأمر بالقيام نهي عن القعود وعن الاضطجاع وجميع ما يضاد القيام.
كذلك أُمرنا بالإنصات إذا قرأ الإمام؛ لأن الله تعالى يقول: {وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} ، والإمام أحمد يحكي الإجماع أن هذه الآية نزلت في الصلاة، يعني أنصتوا لقراءة الإمام، فمعنى هذا أنه إذا قرأ الإمام؛ أنت منهي عن أن تشتغل بغير الإنصات، فعليك أن تنصت له وتستمع.
أما الشق الثاني من القاعدة فهو: النهي عن الشيء يقتضي الأمر بضده , أي: يقتضي التلبس بواحد من أضداده لا بكل أضداده بخلاف الأمر فإنه يجب عليه أن يجتنب جميع أضداده.
مثال ذلك: نهى النبي (- صلى الله عليه وسلم -) عن استقبال القبلة واستدبارها ببول ولا غائط فقال: (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبر وها ببول ولا غائط) فإنك مأمور بأن تتجه إلى الجهات الأخرى بحسب موقعك، لكن المطلوب منك أن تتجه إلى جهة ليست جهة القبلة أثناء قضاء الحاجة , ويحق لنا أن نسمي هذا مأمورًا به مع أنه لا يوجد أمر يقول: اتجهوا كذا، وإنما أخذناه من النهي، فهذا معنى قولهم: ... (الأمر بالشيء نهي عن ضده) والأولى أن يقال: عن جميع أضاده (والنهي عن الشيء أمر بضده) يعني بضد واحد من أضداده، بمعنى أنك إذا تلبست بهذا الضد انشغلت عن المنهي عنه ولم تتلبس به ولم تعمل به؛ وهذا أسلوب من الأساليب التي يُعرف بها الوجوب ويعرف بها التحريم.