فهرس الكتاب
قال المصنف: (وَالنَّهْيُ: اسْتِدْعَاءُ التَّرْكِ بِالْقَوْلِ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، وَيَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ , وَتَرِدُ صِيغَةُ الأَمْرِ وَالْمُرَادُ بِهِ الإِبَاحَةُ، أَوِ التَّهْدِيدُ، أَوِ التَّسْوِيَةُ، أَوِ التَّكْوِينُ) .
بعد أن فرغ من الأمر انتقل إلى النهي وعرفه فقال: (استدعاء الترك بالقول، ممن هو دونه) فقوله: (استدعاء) الاستدعاء هو الطلب.
وقوله: (استدعاء الترك) خرج به استدعاء الفعل الذي هو الأمر , وقوله: (بالقول) خرج به الاستدعاء الذي يكون بغير القول كالإشارة , فالإشارة لا تسمى نهيًا وإن فهم منها النهي حقيقة.
وقوله: (ممن هو دونه) هذا قيد لكي يحصر النهي في معناه الاصطلاحي بأن يكون من الأعلى رتبة إلى الأدنى رتبة، كالنهي من الله - عز وجل - أو من رسوله (- صلى الله عليه وسلم -) فلابد أن يكون من الأعلى إلى الأدنى فيكون المنهي أدنى رتبة من الناهي هذا القيد ذكره المصنف وقد تقدم أن بعض الأصوليين ذكره وبعضهم أهمله وبعضهم استعاض عنه بالاستعلاء.
وقوله: (على سبيل الوجوب) لا حاجة إليه في الحقيقة، فمن الممكن أن يفهم المعنى من غير أن نزيد هذا القيد، لكن المصنف هنا أراد أن يوضح أن النهي إنما قصد به المعنى الذي يفيد تحريم المنهي عنه، فقال: (على سبيل الوجوب) أي على سبيل الإلزام بالترك.
ملحوظة: لم يشر المصنف إلى أن النهي يقتضي التحريم , فلعله اكتفى بقوله: (على سبيل الوجوب) وإلا فهذا أمر متفق عليه بين علماء المذاهب الأربعة أن النهي يقتضي التحريم ما لم يصرفه صارف.
وقد يكون مراد المصنف بقوله: (على سبيل الوجوب) أنه ليس داخلًا في التعريف بل المراد أن النهي الذي على هذه الصفة يكون على سبيل الوجوب (وجوب الترك) ووجوب الترك يساوي التحريم.
والمحرم هو: ما طلب منا تركه طلبًا جازمًا كما سبق تعريفه، والنهي الأصل فيه للتحريم كما هو معروف؛ فلهذا حمل العلماء النهي عن الربا على التحريم والنهي عن الزنا على التحريم , وجميع النواهي حملوها على التحريم إلا ما قام دليل على كونه للكراهة، فإنهم حملوه عليها.
مثال ذلك: نهي الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) عن المشي بنعل واحدة، حمله العلماء على الكراهة وذلك لأنه جاء لتأديب الناس ودرءًا لمفسدة قد يقع فيها من يمشي بنعل واحدة، فإنه لا يكون متوازنًا في مشيه , أيضًا نهيه عن مس الذكر باليمين: (لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول) فحمله كثير من العلماء على الكراهة؛ لأنها في باب الآداب ويعتبرون أن النواهي والأوامر إذا قصد بها التجمل وحسن الأدب , فالأمر يحمل على الندب والنهي يحمل على الكراهة، ولا تحمل على الوجوب والتحريم.
ثم انتقل إلى دلالة أخرى للنهي وهي أن النهي هل يقتضي الفساد أم لا يقتضي الفساد؟
المصنف -رحمه الله- اختار القول الراجح وقال: إنه يدل على فساد المنهي عنه، ولكنه لم يفصّل, وإنما أعطى جوابًا إجماليًا فما ذكره صحيح ولكن يحتاج إلى شيء من التقييد، فهو يدل على فساد المنهي عنه إذا كان النهي متوجهًا إلى الشيء بذاته سواءً كان عبادة أو عقدًا أو معاملة.
فإذا توجه النهي إلى عبادة مثلًا: كالنهي عن صوم يوم العيد فهذا يدل على فساد صوم هذا اليوم ... فلو صامه يكون هذا اليوم فاسدًا ولا يثاب عليه ولا يعد صومًا صحيحًا.
ومثاله في المعاملات النهي عن الربا، فعقود الربا فاسدة عند جمهور العلماء ولا تصح كذلك نهيه مثلًا عن البيع على بيع أخيه، حمله كثير من العلماء على الفساد.
ومنهم من قال: إن هذا ليس محمولًا على الفساد؛ لأن النهي عنده لم يكن المقصود منه المنع من البيع وإنما قصد به المحافظة على حق أخيه المسلم والمحافظة على العلاقة بينك وبينه حتى لا يكون هذا سببًا في الضغناء والبغضاء بينكم والقطيعة؛ فحملوه على التحريم لكنه لا يفيد الفساد، وإنما العقد يكون صحيحًا.