فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 78

فإذن نقول القاعدة في هذا باختصار شديد: أن النهي حينما يتوجه إلى ذات المنهي عنه أو إلى صفة ملازمة له لا تنفك عنه؛ يكون مقتضيًا للفساد.

مثال المنهي عنه لذاته: النهي مثلًا عن أكل لحم الخنزير، فهذا منهي عنه لذاته أي لنجاسته؛ فلهذا لا يجوز بيعه , ولو باعه لا ينعقد البيع ولا يصح، وبيعه يكون فاسدًا فيقتضي فساد البيع.

أما ما ورد النهي عنه لأمر خارجي، أي ليس لذاته ولا لوصف ملازم لا ينفك عنه وإنما لأمر خارجي فهذا لا يقتضي الفساد.

مثال ذلك: النهي عن تلقي الركبان، النهي عن النجش، لأن هذا من الغش والغش أمر خارجي منهي عنه، مطلقًا فإذا باع بيعة فيها شيء من الغش فالعقد صحيح وينعقد لكنه يأثم ويكون المشتري ... -إذا علم بالغش- له حق الخيار , ويسمى خيار التدليس أو خيار العيب (إذا دلس عليه وغشه يسمى خيار التدليس , وإذا كان فيه عيب يسمى خيار العيب) ويمثلونه في العبادات فيقولون: الإنسان منهي عن لبس الحرير، فلو لبس عمامة من حرير وصلى، فهذا النهي متجه إلى أمر خارجي لا مدخل له بالعبادة فتصح الصلاة، لكن لو أنه استخدم الحرير في ستر عورته وصلى، فهذا نهي راجع إلى شرط العبادة، فهل مثل هذا يقتضي فساد العبادة؟

المذهب عندنا (الحنابلة) أنه يقتضي فساد العبادة؛ لأنه يعود إلى شرط من شروطها أي يرجع إلى وصف ملازم لها. ومن العلماء من قال: إنه يعد راجعًا إلى أمر خارجي، وذلك لأننا لا نعرف نهيًا يقول: لا تستر عورتك في الصلاة مثلًا بثوب من حرير، وإنما نعرف نهيًا عن الحرير استقلالًا وأمرًا للصلاة، فهذا الأمر بالصلاة يحمل على ما هو عليه , ويثاب الإنسان على صلاته وأما لبس الحرير فإنه يعاقب عليه ويؤاخذ , فكل منهما له وجه فيعدون هذا من ذوات الجهتين يمكن أن يتعلق الأمر بجهة والنهي بالجهة الأخرى.

أما الأدلة التي تفيد أن النهي يقتضي الفساد:

(1) قوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) ومعنى (رد) أي مردود عليه، ولا معنى للفساد إلا رده، فيكون المقصود بالفساد في المعاملات أن يرد العقد ويأخذ كل من المتعاقدين حقه وأما في العبادات فالمقصود بالفساد عدم براءة الذمة بها وعدم إجزائها.

(2) في حديث فضالة بن عبيد حينما أخبر النبي (- صلى الله عليه وسلم -) بشراء قلادة من ذهب بقلادة فيها ذهب وخرز فأمر برده.

(3) في حديث بيع الصاع بالصاعين، حينما قال الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) لبلال: (أَكُلّ تمر خيبر هكذا , قال: لا يا رسول الله إنا لنشتري الصاع من هذا بالصاعين والثلاثة، قال: هو عين الرب) .

وفي بعض روايات الحديث أنه أمر برده، فالرد دليل على الفساد.

(4) من عادة الشرع أنه إذا نهى عن شيء قطع الأسباب والوسائل التي توصل إليه , وإذا أمر بشيء سهَّل الأسباب والوسائل التي توصل إليه، وذلك لأن المنهي عنه مفسدة، فلو أننا قلنا أن المنهي عنه يصح لكان هذا تشجيعًا للناس على ارتكاب النهي، إذا قلنا عقد الربا حرام لكن لو عقدت عقد ربا صح، هذا ربما يغري بعض ضعاف التدين بأن يقيموا هذه العقود يقولون: ما دام أنه عقد صحيح ولازم، فسأُجريه وأستغفر الله فيما بعد، ولكن إذا قلنا إنه لا يصح ولا ينفذ؛ فلا يقدم عليه أحد؛ لأننا قطعنا الوسائل التي تدفع إليه فهذا يناسب مقاصد الشارع.

* النهي اقتضاءه للفساد ليس خاصًا بالعبادات بل في العبادات والمعاملات، ولكن في المعاملات الخلاف فيه أقوى.

بعد هذا ذكر المصنف بعض المعاني التي ترد لها صيغة الأمر وتدل على غير الوجوب.

فقال: (وترد صيغة الأمر) ، ولم يقل: يرد الأمر ويرادًا به الإباحة، وإنما قال: (ترد صيغة الأمر) لأنه قد عرَّف الأمر بقوله: (استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب) فإذن الأمر بمعناه الاصطلاحي لا يكون إلا للوجوب , وبعضهم يقول: يكون للوجوب والندب فقط،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت