فهرس الكتاب
وأما هنا فإنه أراد الصيغة نفسها (صيغة افعل) ونحوها من الصيغ الأخرى أنها ترد ويراد بها الإباحة.
وذلك مثل قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} ، فالأمر هنا صيغة (افعلوا) أي: اصطادوا وهى من صيغة افعل والنحاة يقولون: هذه صيغة أمر، لكن هل هي أمر حقيقي أي أمر بمعنى الوجوب؟ الجواب لا، وإنما المقصود بها الإباحة، من أين عرفنا أنها مراد بها الإباحة؟ عرفنا ذلك من كونها جاءت بعد حظر وبعد منع، وعند الأصوليين قاعدة تقول: الأمر بعد الحظر للإباحة.
كذلك ترد صيغة افعل (وما جرى مجراها) مرادًا بها التهديد، كما في قوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} فلا يقصد من قوله تعالى ذلك وجوب العمل بما شاءوا، وإنما قصد بها التهديد.
كذلك ترد أيضًا مرادًا بها التسوية كما في قوله تعالى: {فاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا} أي صبركم وعدم صبركم سواء، كذلك ترد مرادًا بها التكوين، كما في قوله تعالى: {كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدا} هذا أمر تكوين، فهو لا يوجب عليهم أن يخلقوا من أنفسهم حجارة وإنما هذا أمر تكوين من الله (- عز وجل -) فهذه بعض المعاني التي ترد لها صيغة افعل والأصوليون والبلاغيون يذكرون ما يزيد على أربعين معنى يمكن أن ترد لها هذه الصيغة من باب (التشقيق والتفريق) ولكن المصنف اكتفى بالمعاني الرئيسة التي يمكن أن ترد لها صيغة افعل.
العام والخاص:
قال المصنف: (وَأَمَّا العَامُّ: فَهُوَ مَا عَمَّ شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا، مِنْ قَوْلِهِ: عَمَمْتُ زَيْدًا وَعَمْرًا بِالْعَطَاءِ، وَعَمَمْتُ جَمِيعَ النَّاسِ بِالْعَطَاءِ.
وَأَلْفَاظُهُ أَرْبَعَةٌ: الاسْمُ الْوَاحِدُ الْمُعَرَّفُ بِالْأَلِفِ وَالَّلامِ، وَاسْمُ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفُ بِالَّلامِ، وَالأَسْمَاءُ الْمُبْهَمَةُ كَـ (مَنْ) فِيمَنْ يَعْقِلُ، وَ (مَا) فِيمَا لا يَعْقِلُ، وَ (أَيٌ) فِي الجَمِيعِ، وَ (أَيْنَ) فِي الْمَكَانِ، وَ (مَتَى) فِي الزَمَّانِ، وَ (مَا) فِي الاسْتِفْهَامِ وَالجَزَاءِ وَغَيْرِهِ، وَ (لا) فِي النَّكِرَاتِ كَقَوْلِكَ: (لا رَجُلَ فِي الدَّارِ ) )
انتقل إلى باب آخر من أبواب دلالات الألفاظ وهو"العام والخاص"فبعد أن عرفنا الأمر والنهي نعرف متعلق الأمر والنهي هل هو موجه إلى العموم أم إلى الخصوص فالأمر والنهي إما أن يتعلق بعام ... أو يتعلق بخاص؛ بدأ بتعريف العام.
والعام في اللغة: اسم فاعل من عم يعم، يعني أصله عامم، ولكن ادغمت الميم في الميم، فالعام من العموم والعموم بمعنى الشمول، والإحاطة، ومنه يقولون: سميت العمامة؛ لأنها تحيط بالرأس.
أما في الاصطلاح فعرفه المصنف بقوله: (ما عم شيئين فصاعد) .
هذا تعريف المصنف , وتعريف كثير من المتقدمين في عصره تقريبًا كالقاضي أبي يعلى , ثم بعدما تمرس المؤلفون بأصول الفقه واختلطوا بالمناطقة وأرادوا أن يضعوا حدًا جامعًا مانعًا , فإن مثل هذا الحد لا يرتضونه وإنما يميلون إلى تعريفه بطريقة أخرى.
وذلك مثل التعريف الذي ذكره الرازي , وهو أن العام: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له، بحسب وضعٍ واحد.
أما تعريف المصنف فمراده: أن كل ما عم شيئين فصاعدًا فإنه يكون عامًا.
ثم قال: إنه أُخذ من قولهم: (عممت زيدًا وعمرًا بالعطاء أو عممت الناس بالعطاء) .
وقوله: (ما عم شيئين فصاعد) هذا يشمل كل ما يعم شيئين فصاعدًا , لكن سيأتي أنه يرى أنه يقتصر أيضًا على اللفظ، وإن كان لفظة (ما) هنا لا تدل أنه يخُص العموم بالألفاظ؛ لأن العلماء منهم من خص العموم بالألفاظ ومنهم من قال: العموم يكون في الألفاظ ويكون في المعاني كما سيأتي الإشارة إليه.
لكن المصنف مع أنه يرى أن العموم خاص بالألفاظ إلا أنه عبر بما يشمل الألفاظ والمعاني في قوله: ... (ما عم) فما هنا يمكن أن تعم الألفاظ والمعاني , لكن هو يقصد به لفظ عم شيئين